البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣١٢ - القول في مدينة السلام بغداد
رداع [١] الجحفة. و ليس بها ثعابين كثعابين مصر. و لا أفاعي سجستان. و لا عقارب نصيبين. و لا جرّارات الأهواز، و لا قتّالات شهرزور.
و أهلها ظرفاء فضلاء فيهم الجمال و لباسهم الكمال، فهم كما قال الشاعر:
ما مثل بغداد في الدنيا و لا الدين* * * على تقلّبها في كلّ ما حين
ما بين قطربل فالكرخ نرجسة* * * تندى و منبت خيريّ و نسرين
تحيا النفوس بريّاها إذا نفحت* * * و حرّشت بين أوراق الرياحين
سقيا لتلك القصور الشاهقات و ما* * * تخفي من البقر الإنسية العين
تستنّ دجلة فيما بينها فترى* * * دهم السفين تغالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتّحة* * * أنيقة بزخاريف و تزيين
فيها القصور التي تهوي بأجنحة* * * بالزائرين إلى القوم المزورين
من كلّ حرّاقة يعلو فقارتها* * * قصر من الساج عال ذي أساطين.
و قدم عبد اللّه بن صالح بن علي بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم [٢].
و قال المنصور لبعضهم: أخبرني عن بغداد. قال: جنة بين حماة و كنّة تحسدانها، و دجلة و الزاب يتباريان عليها.
و كتب الحسن بن أبي الرعد إلى أبي عبد اللّه بن الحسن بن أبي الشوارب و هو مقيم بضياعه في سنجار، يشوقه إلى بغداد:
يا من أقام على قرى سنجار* * * و اختارها دارا بأكرم دار
خلّفت بغداد التي لنسيمها* * * أرج من النوّار و الأشجار
هي جنّة الدنيا فكيف تركتها* * * و قررت أرضا غير ذات قرار
[١] ردع فلان فهو مردوع: إذا وجع جسده كله، و به رداع (أساس).
[٢] أي نودي فيهم ليوم القيامة.