البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣١١ - القول في مدينة السلام بغداد
الأنهار، المريئة العيون، صحيحة البناء، رحبة الفناء، نزهة الهواء، رفيقة بالغرباء، مؤاتية لكل من أتاها، مغيثة لمن استغاث بها، قديمة الصحبة، طيبة التربة، مسكن من تفتّى و معقل من تنسّك. بناها المنصور و سكنها المهدي و الهادي و الأمين و المأمون. جنة من جنان الدنيا. دجلة في وسطها، و الصراة عن يمينها و نهر الملك أمامها و نهر عيسى مخترق لها و نهر كرخايا يتخلل طرقاتها و نهر الخندق دائر بها. لها الرومية و كلواذى و القفص و عميّ و قطربل و المزرفة و بزوغى و الأجمة و الغرك و الشماسية.
إذا غضب على جبار عات حمل إليها. و إذا رضي عنه شهر بها. مواكبها قائمة و منائرها عالية. و نغم مغنياتها ناعمة. الظرف فيها يقتبس و الشكل منها يستوصف. مكان الرئاسة و مقبس السياسة. فهي جنة مونقة و حديقة مشرقة.
و عروس في مجاسدها و كللها و حجابها. شهية المنظر جميلة المخبر. صبيحة مليحة ظاهرة الوسامة، دمثة التراب، مريعة الجناب، غدقة المشارع، و طيّة المضاجع. تروق عيون الناظرين، و تسرّ قلوب المتأملين. و يعيش في أفنيتها الفقراء و المساكين. مطابقها وثيقة، و سجونها حريزة. مع كثرة أسواقها و اتساع أرباضها، و فساحة رحابها و امتداد طرقها و سككها.
معشوقة محببة إلى الخلفاء و ولاة العهود و الوزراء. دار ملكهم و معدن صيدهم، و منتهى غاية لذاتهم، موفّرة لغلّاتهم مباركة عليهم. شامخة البناء، عريضة الفناء، فياحة السطوح، نزهة البساتين، كثيرة الأشجار و الرياحين. مفزع كل ملهوف، و معدن كل تاجر معروف. و حسبك ببلدة قد جمع اللّه فيها ما فرّقه في غيرها من البلدان من أنواع التجارات و أصناف الصناعات. فهي سلة الدنيا و خزانة الأرض، معدن العلم و ينبوع الحكمة. ليس لها مشتاة كمشتاة الجبال، و لا مصيف كمصيف عمان، و لا صواعق كصواعق [٤٤ ب] تهامة. و لا دماميل كدماميل الجزيرة. و لا جرب كجرب الزنج، و لا طواعين كطواعين الشام. و لا يلحق أهلها ما يلحق أهل البحرين من وجع الطحال. و لا فيها حمّى كحمى خيبر. و لا