البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٥٦ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
هذه التلول و الخرابات، و لا يدرى أي شيء أمرها. فتركته و مضيت. و عبرت خمسمائة عام، ثم مررت بها [١٠٩ ب] فإذا موضعها بحر و قد زالت تلك التلول و الخرابات فصارت كلها فيه. و إذا بجماعة يغوصون فيخرجون اللؤلؤ من قراره.
فدنوت من بعضهم و قلت: مذ كم صار هذا البحر هاهنا؟ فضحك ثم قال: سبحان اللّه. ما زال هذا البحر و هذا المكان منذ كانت الدنيا. فمضيت و غبت خمسمائة عام ثم اجتزت بالموضع فإذا ذاك البحر قد غاض ماؤه و في مكانه غيضه ملتفة بالقصب و البردي و بين ذلك القصب و البردي مناقع ماء فيها سمك كثير و صيادون يصيدون ذلك السمك في زواريق صغار. فقلت لبعضهم: أ كان هاهنا بحر؟ قال: لا. ما كان هاهنا إلّا هذه الآجام و هذه المياه لا غير ذلك. فانصرفت. و عبرت خمسمائة عام ثم اجتزت بالمكان فإذا رمال متصلة بينها حمى. و إذا [هي] أكثر بلاد اللّه ظباء. فالتمست أن أرى إنسانا، فلم أر إلّا رجلا يصيد تلك الظباء بحبالة له.
فدنوت منه و سألته عن تلك الآجام، فقال: و اللّه ما نعرف و لا آباؤنا و أجدادنا هذا البلد إلّا على ما تراه، و ما كانت فيه أجمة و لا شجر و مستنقع قط. فانصرفت متعجبا. و عبرت خمسمائة عام ثم اجتزت به فإذا هو جبل و عر و فيه كهوف يخرج منه الدخان. فلم أر أحدا أسأله عنها إلى أن رأيت رجلا متعسفا فقصدته و سألته عن تلك الرمال فقال: ما نعرف الموضع إلّا على ما ترى. فتركته و مضيت. و غبت خمسمائة عام ثم عدت فإذا مدينتك هذه في تلك المواضع. و إذا هي أحسن ما يراه الناس من قصورها و دورها و حدائقها و أسواقها. فدنوت من بعض البوابين و سألته عنها و مذ كم بنيت فقال: يا هذا! ما نعرف هذه المدينة إلّا كما تراها، و لا حدّثنا أحد من أولينا أنه يعرف ما فيها. فهذا أعجب شيء رأيته فيما أطوفه من البلدان و أخترقه من المفاوز و القفار.
فوثب الملك عن سريره فسجد للخضر. فقال له: ارفع رأسك و اسجد للذي خلقني و خلقك. فقال: أريد أن أصحبك و أخلي ما أنا فيه من الملك. فقال: لا تقدر على ذلك. لأني اليوم هاهنا و غدا ببيت المقدس و بعد غد بمكة. و لكن إن أردت العبادة فاصحب هذا الفتى و كن معه.