البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٤٤٧ - في أبنية البلدان و خواصها و عجائبها
الطراة. قد مثل فيها التصاوير من الطير و السباع و البهائم و البسنا [١] المرسلات الشعور الفاتنات الثغور. إذا تأملها الناظر توهمها تنطق بألسنة الابتهاج. فكانت لهم مساكن مدة من الدهر، يكلفون بعمارتها، و يفنون في فنون نعمتها، و يرتعون في صحون عرصتها. حتى إذا قصدتهم العزم بانتزاع [٢] ما في أيديهم من عوارف النعم، و صبحتهم المثل بخواطف التكبر. فأسلمتهم إلى مدة الفناء و نزعتهم من البقاء. فعادت القصور خلاء لا أنيس فيها و لا ديّار بها. قد أخذ الخراب في أطرافها. و استحالت إلى تحير القصد محارتها. و تنكرت له الأيام مترجمة عما تؤول إليه عواقب أمرها. فللرياح فيها هتيف، و للجن بها عزيف. تصفقها هوج الأعاصير، و تنبت في أغراضها أسهم الدمار. يوقد رمتها عين البلى. و تناولتها يد الفناء. يحار الطرف في حجراتها، و تعجب الأفكار من عرضاتها. لا أنيس فيها و لا أحد يخبر عنها، و لا عالم ينبيك عن أهلها، و لا يحدثك عن سكانها. يرتاع قلبك إذا دخلتها، و تخفق جوانحك متى تأملتها و يسترهن اعتبارك [١٠٦ أ] نقوش طيقانها و أصباغ حيطانها بعد ما كانت قرة عين الناظرين، عادت عبرة للمتأملين.
و كذلك فعل اللّه عزّ و جلّ بالعباد و آثاره في البلاد.
قال: و كان السبب في بناء قصر شيرين- و هو أحد عجائب الدنيا- أن أبرويز أمر أن يبنى له باغ [٣] فرسخين في فرسخين. و أن يحصل فيه من كل صيد حتى يتناسل جميعه. و وكل بذلك ألف رجل، و أجرى على كل رجل من كل يوم خمسة أرغفة [من الخبز] [٤] و رطلين لحما و دورق خمر. فأقاموا في عمله و ما أمر أن يجعل فيه من الصيد سبع سنين حتى فرغوا من جميع ذلك. فلما تمّ و استحكم صاروا إلى الفلهبد المغني و سألوه أن يخبر الملك بفراغهم مما أمرهم به. فقال:
افعل. ثم عمل صوتا و غناه به بين يدي الملك، و سماه باغ نخجيران أي باغ
[١] كذا في الأصل.
[٢] في الأصل: انتزاع.
[٣] باغ: هو البستان في الفارسية.
[٤] تكملة من ياقوت (قصر شيرين).