البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٥٨ - ما ذكر في ذم بغداد و كراهة نزولها
نريد البصرة. فلما صرنا [٦٩ أ] إلى موضع بغداد،- و ليس هناك إلّا نخل و قرى و دير في موضع العتيقة، و آخر يقابله من موضع الدعالجة و الباقي صحراء- و هناك راهب في صومعة. فدنوت منه و حادثته ساعة ثم قلت له: يا راهب! ما أرى لك هاهنا زرعا و لا ضرعا. فضحك ثم قال: أخبرني أبي عن جدي- و كان عالما بالكتب القديمة- ان ملك بني أمية زائل عنهم برجل يخرج من خراسان مجهول النسب، معه خلق قد سوّدوا ثيابهم. فإذا أزالوا سلطان بني أمية دفعوا الملك إلى رجل من بني العباس فيملكه عدة سنين ثم يهلك، و يقوم آخر مكانه فيبني هاهنا مدينة لا يكون على الأرض مثلها في كثرة الأموال و الناس و الأسواق. فضحكت تعجبا منه. فقال: لا تضحك، فإن عمرت رأيت. فما متّ حتى رأيت ما قاله لي.
و قال العتبي [١]: حدثني رجل من أهل البصرة قال: اجتزت في بعض شوارع بغداد يوما في السحر و قد اشتبكت أصوات المؤذنين فأعجبني ذلك و حمدت اللّه عليه. فإذا هاتف يهتف بي و يقول: ما الذي يعجبك من مدينة فجر الليلة فيها سبعون ألفا، و افتض من ذلك عشرة آلاف فرج حرام.
و قال إبراهيم بن عيينة: كنت مع قيس بن الربيع ببغداد، فلما انتهينا إلى باب البصرة و جزنا القنطرة قال: هذا المكان الذي يخسف به و هو ناحية دور الصحابة و ما والى ذلك.
و كان الفضيل بن عياض إذا ذكرت عنده بغداد، قال: أما أسواقها فكافرة و أما أسواقها فلاعنة.
و قال بشر بن الحارث: جاء أبو جعفر إلى هذه البلدة فخطر عليها. و جاء بآبائنا فأسكنهم فيها. و كانوا لا يعلمون. ثم نشأ الأبناء فسألوا و فتشوا و دققوا النظر ثم أقاموا فيها مثلهم كمثل الذين قالوا: إنّا وجدنا آباءنا على أمة. و إن أراد ربك أن
[١] أبو عبد الرحمن محمد بن عبد اللّه بن عمرو ... توفي عام ٢٢٨ ه- (انظر ترجمته في فهرست ابن النديم ١٣٥).