البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٣٥٢ - القول في مدينة السلام بغداد
اعتبار ما نحوت. فظنّ ان شئت مكذّبا للعيان و طاعنا على فصول البرهان. إن الأمر الذي ذكرناه، و قمنا بحقه و فصّلناه. هو بخلاف ما أصّلناه. فاعقد الآن من جمل ذلك على أنصافها و أثلاثها و أرباعها و أسداسها. أ فحسبت أنك اعتقدت من ستين ألف حمّام على عشرة ألف حمام ليعقد من ستمائة ألف جدي على مائة ألف جدي. و من كذا على كذا ان الباقي بعد ذلك لا تراه عجبا عجيبا و شأنا غريبا.
فكيف و الأمر في الأصول كما نقول بكل برهان و بكل دليل.
و سنذهب في نوع آخر من الكلام، فإنك و الحق لتشهدان. و إنك لترى في ظاهر العيان، و على حكم الأيام و الزمان. إن وكيلا من وكلاء الوظائف لو اعترض جميع ما في باب الطاق و سوق باب الكرخ و سائر الأسواق في غذائه من الغدوات معترضا بعشرين ألف درهم لابتياع جميع ما فيها، لما ترك بها مذبوحا بريّا و لا حيوانا بحريا، كما لا يدع فيها تفاحا و لا ريحانا و لا أترجا و لا رمانا. و إذا شئت مع ذلك من القول أن تعلم الحق عليك و تتناول الصدق إليك فألطف الاشراف [٦٦ أ] على المطابخ للملك الأعظم و على ما استودعت من ذلك مجالسه و مواضع مواقده، فإنك تعاينها مشحونة بما لا تصل إلى معاينة مثله إلّا في الأسواق، و لا كصغير ما هنالك بباب الكرخ و الطاق. فإن أنت أمددت الحق حقا و أضفت إلى الصدق صدقا و جمعت بين ما تراه في المساكن الملك الأعظم ببغداد و بين ما في منازل البطانة و سائر الأهل و الولد و الحشم و ولاة العهود الوزراء و كبار الأمراء و سائر الوجوه و الرؤساء و كبار التجار و الأغنياء دون المقتصدين و الفقراء، وصلت من معاينة ما ترى ان مادبة (؟) إنما هي من باب الكرخ و الطاق و سائر الشوارع و الأسواق في اليوم الواحد ما لا سبيل إلى معاينة مثله في باب الطاق و لا في شارع و زقاق. و أرى أن الظلم جميعا مجموع في ذلك، يدفعك من ذلك ما لا يندفع و في منعك منه ما لا تمتنع.
و سأريك بعين عقلك مثالا عجيبا. أنت تعبد اللّه بتكذيبه لولا امتحانه و أسرع مما هو أعجب مما تعجبت منه و ستدين اللّه بالجحود به لولا برهانه و بيانه. فإنّا متى دعوناك إلى الإقرار بجملة تتباعد عن الإدراك و العقول و تنسب في الظاهر إلى