البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢٨٣ - القول في مدينة السلام بغداد
المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي و داره قائمة على بنائها- و كان عاقلا فهما- ما الرأي عندك فيما قد عملت عليه من البناء في أحد هذه المواضع؟
فقال: يا أمير المؤمنين! سألتني عن هذه الأمكنة و طيبها، و هي كلها طيبة و الاختيار إليك فيها.
فقال له المنصور: دع اختياري و أخبرني عما عندك في مكان منها.
فقال: الذي أراه يا أمير المؤمنين أن تنزل في نفس بغداد. فإنك بين أربعة طساسيج. منها طسوجان في الجانب الغربي، و طسوجان في الجانب الشرقي.
فاللذان في الغربي فهما قطربل و بادرويا. و أما اللذان في الشرقي فهما نهر بوق و كلواذى. فإن خرب منها طسوج أو تأخرت عمارته، كان الآخر عامرا. و أنت يا أمير المؤمنين على الصراة و دجلة. تجيئك الميرة من المغرب في الفرات و من الشام و مصر و سائر تلك البلدان. و تحمل إليك طرائف الهند و الصين و السند و البصرة و واسط في دجلة. و تجيئك ميرة أرمينية و آذربيجان و ما يتصل بها في تامرّا. و تجيئك الميرة من الروم و آمد و ميافارقين و أرزن و الثغور الخزرية و من الجزيرة و الموصل و بلد و نصيبين إلى مشارق الشام في دجلة، و أنت بين الأنهار لا يصل [٣١ أ] إليك عدوك إلّا على جسر أو قنطرة. فإذا قطعت الجسر و أخربت القنطرة لم يصل إليك. و أنت بين دجلة و الفرات لا يجيؤك أحد من المشرق و المغرب إلّا احتاج إلى العبور، و أنت متوسط للبصرة و الكوفة و واسط و السواد.
و أنت قريب من البرّ و البحر و الجبل.
فازداد المنصور رغبة في الموضع و أمر بالبناء فيه.
و قال له ذلك الدهقان: نعم يا أمير المؤمنين، و هاهنا شيء آخر. قال: و ما هو؟ قال: إن المدن تحصن بالاسوار و الخنادق. و قد رزقك اللّه سوقا و خندقا لم يعمل مثلهما لسائر مدن الشرق و الغرب. قال: و ما هما؟ قال: دجلة و الصراة يكتنفان مدينتك من جانبيها. فقال: صدقت يا دهقان.