البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢٨٢ - القول في مدينة السلام بغداد
نظر إليه و بات فيه فرآه موضعا طيبا فقال لجماعة من خاصته منهم سليمان بن مجالد و أبو أيوب الخوزي و عبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: هو موضع طيب موافق صالح. قال: صدقتم هو كذلك. و لكنه لا يحتمل الجند و الناس. و إنما أريد موضعا ترتفق به الرعية و يوافقها و لا تغلو عليها فيه الأسعار و لا تشتد فيه المؤونة. فإني إن أقمت في موضع لا يجلب إليه في البرّ و البحر، غلت الأسعار و قلّت المادة و اشتدت المؤونة و شق ذلك على الناس. و قد مررت في طريقي بموضع قد اجتمعت فيه هذه الخصال. فأنا راجع إليه و بائت فيه. فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي و للناس.
قال: فأتى موضع بغداد و عبر في موضع قصر السلام ثم صلّى العصر و ذلك في صيف و حر شديد، قال: و كان في ذلك المكان بيعة. فبات أطيب مبيت و أقام يومه. فلم ير إلّا خيرا فقال هذا موضع صالح للبناء. فإن المادة تأتيه من الفرات و دجلة و جماعة الأنهار، و لا يحمل الجند و الرعية إلّا مثله. فخطّ المدينة و قدّر البناء و وضع أول لبنة بيده و قال: بسم اللّه و الحمد للّه و الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة اللّه.
و ذكر سليمان بن مجالد [١] أن المنصور لمّا قدم القائد الذي بعث به يرتاد منزلا- و كان من ثقاته- انصرف [٣٠ ب] راجعا حتى نزل عند الدير الذي بحذاء القصر المعروف بالخالد. ثم دعا صاحب الدير و أمره بإحضار البطريق- و كان هناك بطريق مقيم و صاحب بغداد و صاحب المخرم و صاحب دير القس و صاحب العتيقة و هؤلاء تنّاء بالناحية لكل واحد منهم ضياع حول بغداد- فلما حضروا عنده سألهم عن مواضعهم و كيف هي في الحرّ و البرد و الأمطار. فكل واحد منهم قال قولا يقدر ما عنده. ثم إنه وجّه رجالا من ثقاته. فبات كل واحد منهم في قرية من القرى القريبة من بغداد، فلما عادوا إليه اتفق قولهم على طيب الموضع و صحة هوائه. فقال لصاحب بغداد و هو الدهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربعة
[١] لدى الطبري ٧: ٦١٦ الرواية عن بشر بن ميمون الشروي و سليمان بن مجالد