البلدان لابن الفقيه - ابن الفقيه، أحمد بن محمد - الصفحة ٢٣٣ - القول في البصرة
العنز، تخاف بادرة العدوّ و أكل السبع، فإلّا ترفع خسيستنا و تجبر فاقتنا نكن كقوم هلكوا، فألحق عمر ذراريّ أهل البصرة في العطاء، و كتب لهم إلى أبي موسى يأمره أن يحفر لهم نهرا.
فحدث جماعة من أهل البصرة قالوا: كان لدجلة العوراء- و هي دجلة البصرة- خور، و الخور طريق للماء لم يحفره أحد يجري إليها فيه ماء الأمطار، و يتراجع ماؤها فيه عند المدّ، و ينضب في الجزر، و كان طوله قدر فرسخ، و نهر الإجّانة احتفره أبو موسى و قاده ثلاثة فراسخ حتى بلغ به البصرة، فكان طول نهر الأبلّة أربعة فراسخ، ثم إنه انطمّ منه ما بين البصرة و بثق الحيريّ، و ذلك على قدر فرسخ من البصرة، فلمّا شخص ابن عامر إلى خراسان استخرج زياد نهر أبي موسى، فرجع ابن عامر و غضب عليه و تباعد ما بينهما و قال: إنما أردت أن تذهب بذكر النهر دوني.
و كانت البصرة أيّام خالد بن عبد اللّه طولها فرسخان [١] و عرضها فرسخان [١].
و تذاكروا عند زياد البصرة و الكوفة فقال زياد: لو ضلّت البصرة لجعلت الكوفة لمن يدلّني عليها، و قال ابن سيرين: كان الرجل منّا يقول: غضب اللّه عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة و ولّاه الكوفة، و قال أبو بكر الهذليّ: نحن أكثر منكم ساجا و عاجا و ديباجا و نهرا عجّاجا و خراجا، و أنشد لابن أبي عيينة في البصرة:
يا جنّة فاقت الجنان فما* * * يبلغها قيمة و لا ثمن
ألفتها فاتّخذتها وطنا* * * إنّ فؤادي لحسنها وطن
و قالوا: بالبصرة أربع بيوتات ليس بالكوفة مثلها: بيت بني المهلّب، و بيت بني مسلم بن عمرو الباهليّ من قيس، و بيت بني مسمع من بكر بن وائل، و بيت آل الجارود من عبد القيس، و دخل فتى من أهل المدينة البصرة فلمّا انصرف قالوا:
كيف رأيت البصرة؟ قال: خير بلاد اللّه للجائع و الغريب و المفلس، أما الجائع
[١] في الأصل: طولها فرسخين و عرضها فرسخين.