الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٤٤٠
كنت في زمن الصّبا و أنا ابن سبع عشرة سنة سافرت مع أبي و عمّي من خراسان إلى الهند في تجارة، فلما بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى ضيعة من الضياع، فعرج القفّل نحوها فنزلوا بها، فضجّ أهل القافلة فسألناهم عن ذلك. فقالوا: هذه ضيعة الشّيخ رتن المعمّر، فلما نزلنا خارج الضّيعة رأينا بفنائها شجرة عظيمة تظلّ خلقا عظيما و تحتها جمع عظيم من أهل الضّيعة، فبادر الكلّ نحو الشّجرة و نحن معهم، فلما رآنا أهل الضّيعة رحّبوا بنا فرأينا زنبيلا كبيرا معلقا في بعض أغصان تلك الشجرة، فسألناهم فقالوا: في هذا الزنبيل الشيخ رتن الّذي رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم) و دعا له بطول العمر ستّ مرات، فسألناهم أن ينزلوا الشيخ لنسمع كلامه و حديثه. فتقدّم شيخ منهم إلى الزنبيل و كان ببكرة فأنزله فإذا هو مملوء بالقطن و الشيخ في وسط القطن، ففتح رأس الزنبيل فإذا الشيخ فيه كالفرخ، فحسر عن وجهه و وضع فمه على أذنه، و قال: يا جدّاه، هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان و فيهم شرفاء من أولاد النّبيّ (صلى اللَّه عليه و آله و سلم)، و قد سألوا أن تحدثهم كيف رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله و سلم)؟ و ما ذا قال لك؟
فعند ذلك تنفس الشيخ، و تكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية و نحن نسمع و نفهم، فقال: سافرت مع أبي و أنا شابّ من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة، فلما بلغنا بعض أودية مكّة، و كان المطر قد ملأ الأودية، فرأيت غلاما أسمر اللون مليح الكون، حسن الشمائل، و هو يرعى إبلا في تلك الأودية، و قد حال السيل بينه و بين إبله و هو يخشى من خوض الماء لقوة السيل، فعلمت حاله، فأتيت إليه و حملته و خضت السيل إلى عند إبله من غير معرفة سابقة، فلما وضعته عند إبله نظر إليّ و قال بالعربيّة: بارك اللَّه في عمرك، بارك اللَّه في عمرك، بارك اللَّه في عمرك، فتركته و مضيت إلى حال سبيلي إلى أن دخلنا مكة، و قضينا ما أتينا له من أمر التّجارة، و عدنا إلى الوطن، فلما تطاولت المدة على ذلك كنا جلوسا في فناء ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة ليلة البدر، و البدر في كبد السماء إذ نظرنا إليه و قد انشق نصفين فغرب نصف في المشرق و نصف في المغرب ساعة زمانية، و أظلم الليل ثم طلع النصف الأول من المشرق و النّصف الثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء كما كان أول مرة، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، و لم نعرف لذلك سببا، فسألنا الرّكبان عن خبر ذلك و سببه، فأخبرونا أنّ رجلا هاشميا ظهر بمكّة، و ادّعى أنه رسول اللَّه إلى كافة العالم و أن أهل مكّة سألوه معجزة كمعجزات سائر الأنبياء، و أنهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر أن ينشقّ في السماء و يغرب نصفه في المشرق و نصفه في المغرب، ثم يعود إلى ما كان عليه، ففعل لهم ذلك بقدرة اللَّه تعالى.