الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٢٦٣
بسم اللَّه». فقلنا يا رسول اللَّه، أمن طعام الدنيا هذا؟ قال: «لا»، قال لنا: هذا رزقي، و لي في كلّ أربعين يوما و ليلة أكلة تأتيني بها الملائكة، فكان هذا تمام الأربعين. و هو شيء يقول اللَّه له: كن فيكون. فقلنا: من أين وجهك؟ قال: من خلف رومية كنت في جيش من الملائكة مع جيش من مسلمي الجن غزونا أمة من الكفار. قلنا: فكم مسافة ذلك الموضع الّذي كنت فيه؟ قال: أربعة أشهر: و فارقتهم أنا منذ عشرة أيام، و أنا أريد مكّة أشرب منها في كل سنة شربة، و هي ربّي و عصمتي إلى تمام الموسم من قابل. قلنا: و أي المواطن أكثر مثواك؟
قال: الشّام و بيت المقدس و المغرب و اليمن، و ليس من مسجد من مساجد محمّد إلا و أنا أدخله صغيرا أو كبيرا، فقلنا: متى عهدك بالخضر؟ قال: منذ سنة، كنت قد التقيت أنا و هو بالموسم و أنا ألقاه بالموسم، و قد كان قال لي: إنك ستلقى محمدا قبلي فأقرئه مني السلام و عانقه، و بكى و عانقنا و بكى و بكينا، فنظرنا إليه حين هوى في السماء كأنه حمل حملا، فقلنا: يا رسول اللَّه، لقد رأينا عجبا إذ هوى إلى السماء قال: يكون بين جناحي ملك حتى ينتهي به حيث أراد.
قال ابن الجوزيّ: لعل بقية سمع هذا من كذّاب فدلسه عن الأوزاعي، قال: و خير بن عرفة لا يدرى من هو.
قلت: هو محدّث مصري مشهور، و اسم جده عبد اللَّه بن كامل، يكنى أبا الطاهر، روى عنه أبو طالب الحافظ به شيخ الدارقطنيّ و غيره، و مات سنة ٢٨٣. و قد رواه غير بقية عن الأوزاعي على صفة أخرى،
قال ابن أبي الدّنيا: حدّثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يزيد بن يزيد الموصلي التيمي مولى لهم، حدثنا أبو إسحاق الجرشي، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن أنس، قال: غزونا مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا كنا بفج [١] الناقة بهذا الحجر إذا نحن بصوت يقول: اللَّهمّ اجعلني من أمة محمّد المرحومة المغفور لها، المتاب عليها.
المستجاب منها فقال لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلّم): «يا أنس، انظر ما هذا الصّوت»؟ قال: فدخلت الجبل، فإذا رجل أبيض الرأس و اللحية، عليه ثياب بيض، طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما نظر إليّ قال: أنت رسول رسول اللَّه؟ قلت: نعم. قال: ارجع إليه، فاقرأ عليه مني السلام، و قل له: هذا أخوك إلياس، يريد يلقاك، فجاء النبي (صلى اللَّه عليه و سلّم) و أنا معه حتى إذا كنت قريبا منه تقدم و تأخرت. فتحدثا طويلا، فنزل عليهما شيء من السماء شبيه السفرة، فدعواني
[١] الفجّ: موضع أو جبل في ديار سليم، فج حيوة: فج، بفتح أوله و تشديد ثانيه هو الطريق الواسع بين الجبلين و حيوة بفتح الحاء و سكون الياء و فتح الواو: موضع بالأندلس من أعمال طليطلة (فجّ الرّوحاء) بين مكة و المدينة كان طريق الرسول (عليه السلام) إلى بدر. انظر: مراصد الاطلاع ٣/ ١٠١٧.