الإصابة في تمييز الصحابة - العسقلاني، ابن حجر - الصفحة ٢٨١
إبراهيم، أ لهذا خلقت؟ أ بهذا أمرت؟ ففزعت و وقفت ثم تعوّذت و ركضت الدابة، ففعل ذلك مرارا، ثم هتف بي هاتف من قربوس السّرج، و اللَّه ما لهذا خلقت و لا بهذا أمرت. قال:
فنزلت فصادفت راعيا لأبي يرعى الغنم، فأخذت جبة الصوف فلبستها، و دفعت إليه الفرس و ما كان معي، و توجهت إلى مكة، فبينا أنا في البادية إذا أنا برجل يسير ليس معه إناء و لا زاد، فلما أمسى و صلّى المغرب حرّك شفتيه بكلام لم أفهمه، فإذا أنا بإناء فيه طعام و إناء فيه شراب، فأكلت معه و شربت، و كنت على هذا أياما، و علمني اسم اللَّه الأعظم، ثم غاب عنّي، و بقيت وحدي، فبينا أنا ذات يوم مستوحش من الوحدة دعوت اللَّه فإذا شخص آخذ بحجزتي، فقال لي: سل تعطه فراعني قوله فقال لي: «لا روع عليك، أنا أخوك الخضر».
و ذكر عبد المغيث بن زهير الحربيّ الحنبليّ في جزء جمعه في أخبار الخضر عن أحمد بن حنبل، قال: كنت ببيت المقدس، فرأيت الخضر و إلياس.
و عن أحمد قال: كنت نائما فجاءني الخضر فقال: قل لأحمد: إن ساكني السماء و الملائكة راضون عنك.
و عن أحمد بن حنبل أنه خرج إلى مكة فصحب رجلا. قال: فوقع في نفسي أنه الخضر.
قال ابن الجوزيّ في نقض ما جمعه عبد المغيث: لا يثبت هذا عن أحمد.
قال: و ذكر فيه عن معروف الكرخي أنه قال: حدّثني الخضر قال: و من أين يصح هذا عن معروف؟
و قال أبو حيّان في تفسيره: أولع كثير ممّن ينتمي إلى الصلاح أن بعضهم يرى الخضر.
و كان الإمام أبو الفتح القشيري يذكر عن شيخ له أنه رأى الخضر و حدثه فقيل له: من أعلمه أنه الخضر، أم كيف عرف ذلك؟ فسكت، قال: و يزعم بعضهم أن الخضرية يتولاها بعض الصّالحين على قدم الخضر. و منه قول بعضهم لكل زمان خضر.
قلت: و هذا فيه تسليم أن الخضر المشهور مات.
قال أبو حيّان: و كان بعض شيوخنا في الحديث و هو عبد الواحد العباسي الحنبليّ يعتقد أصحابه فيه أنه يجتمع بالخضر.
قلت: و ذكر لي الحافظ أبو الفضل العراقي بن الحسين شيخنا أنّ الشيخ عبد اللَّه بن أسعد اليافعيّ كان يعتقد أنّ الخضر حيّ، قال: فذكرت له ما نقل عن البخاريّ و الحربي و غيرهما من إنكار ذلك، فغضب، و قال: من قال إنه مات غضبت عليه. قال: فقلنا رجعنا عن اعتقاد موته. انتهى.