المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٦ - فصل
عمير بن وهب الجمحيّ مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش بيسير، و هو في الحجر، و كان عمير شيطانا من شياطين قريش، و كان يؤذي رسول اللَّه و أصحابه، و كان ابنه وهيب بن عمير في أسارى بدر، فذكر أصحاب القليب و مصابهم، فقال صفوان: و اللَّه إن ليس في العيش خير بعدهم، فقال له عمير: صدقت و اللَّه أما و اللَّه لو لا دين علي ليس عندي قضاؤه، و عيال أخشى عليهنّ الضّيعة لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علّة ابني أسير في أيديهم.
فقال صفوان: فعلي دينك أنا أقضيه عنك، و عيالك مع عيالي أسوتهم ما بقوا، قال عمير: فأكتم علي شأني و شأنك، قال افعل.
ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له و سمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فرآه/ عمر قد أناخ بعيره على باب المسجد متوشّحا السيف، فقال: هذا عدو اللَّه عمير ما جاء إلا لشر، و هو الّذي حرش بيننا، و حزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول اللَّه، فقال: يا نبي اللَّه، هذا عدو اللَّه عمير، قد جاء متوشحا، قال: فأدخله عليّ.
قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه، قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير، فدنا ثم قال: انعموا صباحا، و كانت تحية أهل الجاهلية بينهم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «قد أكرمنا اللَّه بتحية خيرا من تحيتك يا عمير، بالسلام، تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير»؟ قال: جئت لفداء الأسير الّذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: فما بال السيف في عنقك قال: قبحها اللَّه من سيوف، و هل أغنت عنا شيئا، قال: أصدقني بالذي جئت له، قال: ما جئت له، قال: ما جئت إلا لذلك، قال: بلى، قعدت أنت و صاحبك صفوان بن أمية في الحجر، فذكرت ما أصاب أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لو لا دين عليّ و عليّ عيال لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك و عيالك على أن تقتلني، و اللَّه عز و جل حائل بيني و بينك.
فقال عمير: أشهد أنك رسول اللَّه، قد كنا نكذبك، و هذا أمر لم يحضره إلا أنا و صفوان، فو اللَّه إني لأعلم ما أتاك به إلا اللَّه، فالحمد للَّه الّذي هداني للإسلام، و ساقني هذا المساق. ثم تشهد شهادة الحق، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: فقهوا أخاكم في دينه، و علموه القرآن، و أطلقوا له أسيره.