المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٨ - و مما جرى لهم في الطريق أنهم مروا بخيمتي أم معبد
و دليلهم عبد اللَّه بن أريقط، فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعيّة، و كانت امرأة جلدة برزة تحتبي و تقعد بفناء الخمية. ثم تسقي و تطعم، فسألوها تمرا أو لحما يشترون. فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، فإذا القوم مرملون مسنتون، فقالت: و اللَّه لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى.
فنظر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم [إلى] [١] شاة في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشّاة يا أمّ معبد؟» قالت: هذه شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أ تأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: نعم بأبي أنت و أمّي، إن رأيت بها حلبا.
فدعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بالشاة، فمسح ضرعها و ذكر اسم اللَّه تعالى، و قال: «اللَّهمّ بارك لها في شاتها».
قالت: فتفاجّت و درّت و اجترت و أحلبت، فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه ثجّا حتى غلبه الثّمال، فسقاها فشربت حتى رويت و سقى أصحابه حتى رووا، و شرب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم آخرهم، و قال: «ساقي القوم آخرهم شربا» [٢] فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثمّ حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلّما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيّلا عجافا هزلى ما تساوق، مخّهنّ قليل لا نقي بهنّ، فلما رأى اللبن عجب و قال: من أين لكم هذا، و الشاة عازبة و لا حلوبة في البيت؟ قالت: لا و اللَّه [إلّا] [٣] أنه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت. قال:
و اللَّه [إني] [٤] لأراه صاحب قريش الّذي تطلب، صفيه لي يا أمّ معبد.
قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، و لم تزر به صعلة [٥]، قسيم وسيم [٦]، في عينيه دعج، و في أشفاره وطف، و في صوته
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و أوردناها من ابن سعد ١/ ٢٣٠.
[٢] «شربا». غير موجودة في ابن سعد.
[٣] ما بين المعقوفتين: من طبقات ابن سعد.
[٤] ما بين المعقوفتين: من طبقات ابن سعد.
[٥] كذا في أ، و طبقات ابن سعد. و في الأصل، و ألوفا ٣٢٨: «و لم تزدره مقلة».
[٦] في أ، و ابن سعد: «وسيم قسيم».