المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦٨ - فأما قصة كعب و صاحبيه
فقمت و بادرت رجالا من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: و اللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بما اعتذر به المتخلفون، لقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم لك، ثم قال: و اللَّه ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. [قال]: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: فقلت لهما: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، و هلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فقلت: لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال: و نهى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، قال: و تغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكنا و قعدا في بيوتهما يبكيان، و أما أنا فكنت أشب القوم و أجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين و أطوف بالأسواق و لا يكلمني أحد، و آتي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في مجلسه بعد الصلاة فأسلم فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا، ثم أصلي قريبا منه و أسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا أطال على ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة و هو ابن عمي و أحب الناس إلي فسلمت عليه، فو اللَّه ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك اللَّه هل تعلم أني أحب اللَّه و رسوله، قال: فسكت، قال:/ فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: اللَّه و رسوله أعلم. ففاضت عيناي و نزلت حتى تسورت الحائط.
فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك. قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء، فدفع إلي كتابا من ملك غسان و كنت كاتبا، فإذا فيه: أما بعد،. فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك و لم يجعلك اللَّه بدار هوان و لا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
قال فقلت حين قرأتها: و هذا أيضا من البلاء. قال: فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يأتيني، فقال: إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ما ذا أفعل؟ قال: بل