المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧١ - و في هذه السنة كانت غزوة الحديبيّة
رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فقال: وفيت بذمتك يا رسول اللَّه، فقال صلّى اللَّه عليه و سلّم: «ويل أمّه مسعر حرب»
[١]، ففهم أنه سيرده، فذهب إلى ساحل البحر فجلس في طريق قريش، و خرج إليه جماعة ممن كان محبوسا بمكة، منهم: أبو جندل. فصاروا نحوا من سبعين، و كانوا يعترضون أموال قريش [٢]، فأرسلت قريش إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يناشدونه أن يرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل إليهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فقدموا المدينة.
و في هذه الهدنة [٣]: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط- و كانت قد أسلمت و بايعت بمكة- فخرجت في زمن الهدنة، و هي أول من هاجر من النساء، فخرجت وحدها و صاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة. فخرج في أثرها أخواها:/ الوليد، و عمارة [ابنا عقبة] حتى قدما المدينة، فقالا: يا محمد ف لنا بشرطنا، فقالت أم كلثوم: يا رسول اللَّه، أنا امرأة و حال النساء في الضعف ما قد علمت، فتردني إلى الكفار فيفتنوني عن ديني و لا صبر لي؟ فنقض اللَّه العهد في النساء في صلح الحديبيّة و أنزل فيهن المحنة و حكم في ذلك بحكم رضوه كلهم، و نزل في أم كلثوم:
فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ [أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ] [٤]. فامتحنها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و امتحن النساء بعدها، يقول: «و اللَّه ما أخرجكن إلا حب اللَّه و رسوله [و الإسلام] [٥]، ما خرجتن لزوج و لا مال» فإذا قلن ذلك تركن و لم يرددن إلى أهليهن [٦].
أخبرنا محمد بن أبي طاهر، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حيويه، قال: أخبرنا أحمد، قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، قال: أخبرنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول:
[١] في الطبري، و الواقدي: «محشّ حرب». و معناها واحد. أي: هيج الحرب، و يقال: حششت النار، و أرثتها، و أذكيتها، و أثقبتها و سعرتها بمعنى واحد، و في الصحيح: «ويل أمه مسعر حرب».
[٢] في الأصل: «فكانوا يتعرضون بأموال قريش».
[٣] في أ: «و في هذه السنة». و راجع هجرة أم كلثوم في ابن هشام ٢/ ٣٢٥.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و الآية رقم: ١٠ من سورة: الممتحنة.
[٥] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٦] سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٥، و طبقات ابن سعد ٨/ ١٦٧، و تاريخ الطبري ٢/ ٤٦٠.