المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٨ - و في هذه السنة كانت غزوة الحديبيّة
صده عن المسجد الحرام، و عسكروا ببلدح و قدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم [١]، و عليهم خالد بن الوليد، و يقال: عكرمة بن أبي جهل، و دخل بسر [٢] بن سفيان الخزاعي مكة فسمع كلامهم و عرف رأيهم، فرجع إلى النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم فلقيه بغدير الأشطاط من وراء عسفان [٣] فأخبره بذلك.
و دنا خالد [بن الوليد في خيله] [٤] حتى نظر إلى أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فأمر [رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم] [٤] عباد بن بشر فتقدم في خيله فأقام بإزائه وصف أصحابه، و حانت صلاة الظهر، و صلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم [بأصحابه] [٤] صلاة الخوف، و سار حتى دنا من الحديبيّة- و هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة- فوقفت به [٥] راحلته على ثنية تهبط على غائط القوم فبركت. فقال المسلمون: حل حل، يزجرونها، فأبت، فقالوا:
خلأت [٦] القصواء،
فقال [النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم] [٤]: «ما خلأت، و لكن حبسها حابس الفيل، أما و اللَّه لا يسألوني اليوم خطّة فيها تعظيم حرمة اللَّه إلا أعطيتهم إياها»،
ثم زجرها، فقامت فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبيّة قليل الماء، فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها فجاشت [٧] لهم بالرّواء [٨] حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر.
و مطر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم بالحديبية مرارا، و كثرت المياه. و جاءه بديل بن ورقاء و ركب معه فسلموا و قالوا: [٩] جئناك من عند قومك: كعب بن لؤيّ، و عامر بن لؤيّ قد استنفروا
[١] كراع الغميم: موضع بناحية الحجاز بين مكة و المدينة، و هو واد أمام عسفان بثمانية أميال.
[٢] في الأصل: بشر، و التصحيح من الطبقات، و الإصابة ١/ ١٥٤.
[٣] عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة و مكة، و قيل: هي بين المسجدين، و هي من مكة على مرحلتين، و قيل غير ذلك.
[٤] كل ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من أ، و ابن سعد.
[٥] في الطبقات: فوقعت يدا.
[٦] خلأت: بركت، قال أبو ذر: الخلاء في الإبل بمنزلة الحران في الدواب، و قال بعضهم: لا يقال: لا للناقة خاصة.
[٧] جاشت: ارتفعت.
[٨] الرواء، بفتح الراء: الكثير.
[٩] في ابن سعد: قال بديل.