المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥٠ - و في هذه الغزاة جاز على قبر أمه صلّى اللَّه عليه و سلّم
على عاصم بن ثابت و أصحابه وجدا شديدا- و كانوا قتلوا في غزاة الرجيع- فأظهر أنه يريد الشأم، و عسكر لغرة هلال ربيع الأول في مائتي رجل، و معهم عشرون رجلا، و استخلف عبد اللَّه بن أم مكتوم، ثم أسرع السّير حتى انتهى إلى بطن غران [١]- و بينها و بين عسفان [٢] خمسة أميال- حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم و دعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدروا منهم على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا الغميم [٣]، ثم رجعوا و لم يلقوا أحدا، ثم انصرف صلّى اللَّه عليه و سلّم إلى المدينة، و غاب أربع عشرة ليلة، و
قال في رجوعه: «آئبون تائبون [لربنا حامدون]»
[٤] فكان أول من قالها.
و في هذه الغزاة جاز على قبر أمه صلّى اللَّه عليه و سلّم:
أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا علي بن محمد العلاف، قال: أخبرنا علي بن أحمد الحمامي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الحريري، قال: أخبرنا موسى بن إسحاق الأنصاري، قال: أخبرنا أبو إبراهيم الترجماني، قال: حدثنا المشمعل بن ملحان [٥]، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنت مع النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم إذ وقف على عسفان، فنظر يمينا و شمالا فأبصر قبر أمه آمنة فورد الماء، فتوضأ ثم صلّى ركعتين فلم يفاجئنا إلا ببكائه، فبكينا لبكاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم [ثم انصرف إلينا
[١] في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٨٠: «و غزان واد بين أمج و عسفان إلى بلد يقال له: ساية». و في وفاء ألوفا ٢/ ٣٥٣: «و غران اسم وادي الأزرق خلف أمج بميل».
[٢] «عسفان قرية جامعة بين مكة و المدينة على نحو يومين من مكة». (وفاء ألوفا ٢/ ٣٥٣، ٣٤٥).
[٣] في ابن هشام: «كراع الغميم»، و في معجم البلدان: «موضع بناحية الحجاز بين مكة و المدينة و هو واد أمام عسفان بثمانية أميال».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من ابن سعد، و في سيرة ابن هشام: «آئبون تائبون إن شاء اللَّه لربنا حامدون، أعوذ باللَّه من وعثاء السفر، و كآبة المنقلب، و سوء المنظر في الأهل و المال.
و في المغازي: «آئبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، اللَّهمّ أنت الصاحب في السفر، و الخليفة على الأهل، اللَّهمّ أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب، و سوء المنظر في الأهل و المال، اللَّهمّ بلغنا بلاغا صالحا يبلغ إلى الخير، مغفرة منك و رضوانا».
[٥] في الأصل: «إسماعيل بن ملحان».