المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٩ - و من الحوادث في هذه السنة كانت غزاة بني قريظة
لما رجع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم الخندق، فبينا هو عندي إذ دق الباب فارتاع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، و وثب وثبة منكرة، و خرج [النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم] فخرجت في أثره فإذا رجل على دابة و النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم متكئ على معرفة الدابة يكلمه، فرجعت فلما دخل النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم قلت: من ذلك الرجل الّذي كنت تكلمه؟ قال: و رأيته؟ قلت: نعم، قال: «و من تشبهينه»؟ قلت:
بدحية بن خليفة الكلبي، قال: ذاك جبريل عليه السلام، أمرني أن أمضي إلى بني قريظة.
قال علماء السير [١]: فدعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم عليا رضي اللَّه عنه، فدفع إليه لواءه، و بعث بلالا فنادى في الناس: ان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يأمركم أن لا تصلّوا العصر إلا في بني قريظة، و استخلف [رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم على المدينة عبد اللَّه] [٢] بن أم مكتوم، ثم سار في ثلاثة آلاف، و كانت الخيل ستة و ثلاثين فرسا، و ذلك في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم خمسة عشر يوما، و قيل: خمسا و عشرين ليلة أشد الحصار و رموا بالنبل و الحجر، فلم يطلع منهم أحد.
فلما اشتد الحصار عليهم أرسلوا إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده أنه الذّبح، ثم ندم فاسترجع فقال: خنت اللَّه و رسوله، فانصرف فارتبط في المسجد و لم يأت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم حتى أنزل اللَّه توبته، ثم نزلوا على حكم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فأمر بهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم محمد بن مسلمة فكتّفوا و نحّوا ناحية. و أخرج النساء و الذريّة فكانوا ناحية، و جمع أمتعتهم فكانوا [ألفا] [٢] و خمسمائة سيف، و ثلاثمائة درع، و ألفي رمح، [و ألفا] [٣] و خمسمائة ترس و حجفة، و جمالا كانت نواضح و ماشية كثيرة. و كان لهم خمر فأريق، و كلّمت الأوس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم أن يهبهم لهم، و كانوا حلفاءهم/ فجعل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم الحكم فيهم إلى سعد بن معاد، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه الموسى [٤]، و تسبى النساء و الذراري، و تقسم الأموال. فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة».
[١] طبقات ابن سعد ٢/ ١/ ٥٣.
[٢] ما بين المعقوفتين: من طبقات ابن سعد.
[٣] في الأصل: ألفين.
[٤] في الأصل: المواشي.