المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤ - وفاة خديجة رضي اللَّه عنها
ربيعة و شيبة بن ربيعة و هما فيه، و رجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظلّ حبلة من عنب، فجلس فيه، و ابنا ربيعة ينظران إليه و يريان ما لقي من سفهاء ثقيف، فلما اطمأن قال فيما ذكر لي:
«اللَّهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي، و قلّة حيلتي، و هواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين، و أنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد فيجهّمني [١]، أم إلى عدو ملّكته أمري، فإن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، و لكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظلمات [٢]، و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحلّ عليّ سخطك، لك الرضى حتى [٣] ترضى، لا حول و لا قوة إلا بك».
فلما رأى ابنا ربيعة- عتبة و شيبة- ما لقي، تحرّكت له رحمهما [٤]، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له: عداس، و قالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطّبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فلما رفع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم يده قال: «بسم اللَّه» ثم أكل.
فنظر عداس إلى وجهه، ثم قال: و اللَّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة.
فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «و من أي البلاد أنت، و ما دينك»؟.
قال: أنا نصراني، و أنا رجل من أهل نينوى [٥].
فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى»؟.
قال له: و ما يدريك ما يونس بن متى؟.
قال: ذاك أخي، كان نبيّا و أنا نبي.
[١] تجهمه: استقبله بوجه كريه.
[٢] راجع الروض الأنف.
[٣] في الطبري و ابن هشام: «لك العتبى». و المعنى واحد.
[٤] الرحم: الصلة و القرابة.
[٥] نينوى: قال أبو ذر الخشنيّ: «و رويت هنا بضم النون الثانية و بفتحها».