نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨ - الشرح والتفسير نصبت عليكم والياً مقتدراً وبصيراً بالأمور
الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام ويقول:
«كَفى بِي عِزَّاً أن أَكُونَ لَكَ عَبداً» [١].
يتابع الإمام عليه السلام وصفه لمالك الأشتر ويذكر الصفة الثانية والثالثة بقوله:
«لَا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ، وَلَا يَنْكُلُ [٢] عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ [٣]».
وهذان الوصفان في الحقيقة من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الإنسان لتحقيق النصر على العدو، والاستعداد الدائم في زمان الخوف من هجوم العدو وعدم الخشية من حيله ومكره، ولا كثرة عدده وعدّته، وهو ما يلزم القائد الفذ والزعيم المقدام، والتاريخ يشهد أنّ القادة والامراء الذين هزموا بالمعارك لم يكونوا يتمتعون باحدى هاتين السمتين، فإمّا أنّهم غفلوا عن مكر العدو، أو قادهم الخوف من العدو إلى الهزيمة والذلّة.
ثمّ يتعرض الإمام عليه السلام للصفة الرابعة ويقول:
«أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ [٤]».
عبارة
«حَرِيقِ النَّارِ»
تعتبر في الحقيقة أبلغ تعبير لبيان الهجمات الشرسة لمالك الأشتر على الأعداء في ميادين القتال، لأنّه ليس كمثل النار في الإفناء والإهلاك، فالماء يغرق، والحجر يكسر، ولكن النار تحرق وتحوّل الشيء إلى رماد.
وينقل المحقق التستري في شرحه نهج البلاغة عن كتاب (صفين لنصر بن مزاحم) خرج رجل من أهل الشام- في معركة صفين- قلّما رؤي أطول وأعظم منه وشجاعاً مقداماً فدعا إلى المبارزة طبقاً للعادة المتداولة في الحروب في ذلك الزمان، فلم يخرج إليه إنسان من جيش أميرالمؤمنين عليه السلام لمبارزته أو الخروج له- وخرج إليه مالك الأشتر فقتله، فقال رجل منهم: اقسم باللَّه لأقتلنّ قاتلك، فحمل
[١]. بحار الأنوار، ج ٩١، ص ٩٤، ح ١٠.
[٢]. «لَا يَنْكُل» في الأصل من مادة «نكول» ويعني التراجع عن خوف، وأحياناً تطلق على كلّ تراجع من أداء عمل معين.
[٣]. «الرَّوْعِ» الخوف والوحشة، وأحياناً تأتي بمعنى التخويف والترهيب.
[٤]. «مَذْحِجٍ» قبيلة في اليمن، ويعتبر مالك الأشتر من رؤوساء تلك القبيلة ثمّ جاء إلى المدينة ومنها إلى الكوفة وأضحى من جملة شيعة أميرالمؤمنين عليه السلام الخاصين وأتباعه المخلصين.