نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦ - الشرح والتفسير لقد بعت دينك بدنيا غيرك!
ولكنّ معنى العبارة المذكورة لا ينحصر بهذا المعنى، بل إنّ عمرو بن العاص كان، مضافاً إلى ذلك، يهزأ من الشخصيّات المرموقة من أنصار الإمام علي عليه السلام وشيعته ويتحدّث معهم لدى حضورهم في مجلس معاوية بكلمات ركيكة وعبارات نابية قاصداً بذلك إهانتهم والسخرية منهم، وفي المقابل كان الكثير منهم يردونه بجواب قاطع وحاسم من دون الاعتناء بالأخطار المحدقة بهم بسبب جرأتهم في حضور معاوية، وعلى كلّ حال فإنّ معاوية كان رجلًا سيء الكلام وهاتكاً للحرمة.
ومن ذلك أنّ «جارية بن قدامة» كما ينقل العقد الفريد، دخل يوماً إلى مجلس معاوية فقال له معاوية: «ما كان أهونَكَ على أهلِك إذ سَمَّوك جارية! قال: ما كان أهونَك على أهلِك إذ سَمَّوكَ مُعاوية! وهي الانثى من الكلاب، قال: لا امّ لك! قال:
امّي وَلَدتْني للسُّيوف التي لَقِيناكَ بها في أيدينا، قال: إنّك لَتُهدِّدني، قال: إنَّك لم تَفْتَتِحْنا قَسراً، ولم تَمْلِكنا عَنوةً، ولكنّك أعطَيتنا عَهداً وَمِيثاقاً، وأعطيناك سَمعاً وطاعة، فإن وَفّيت لنا وَفَّينا لك، وإن فَزِعت إلى غير ذلك، فإنّا تَركنَا وراءنا رجالًا شِداداً، وألسنَةً حُدَاداً، قال معاوية: لا كَثّر اللَّه في الناس أمثالك، قال جارية: قُلْ مَعرُوفاً ورَاعنا، فإنّ شَرَّ الدُّعاء المُحتَطب» [١].
وجملة:
«وَيُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ»،
إشارة إلى أنّه يقال في مجلسه كلام تافه وركيك إلى درجة أنّ الإنسان العاقل يعدّ سفيهاً في ذلك المجلس، وهذه هي نتيجة المشاركة في مجلس يحضره معاوية ورفاقه.
هذه الأوصاف الأربع التي وصف بها الإمام عليه السلام معاوية، بإمكانها تجسيد شخصيّة معاوية بكل وضوح وتبيّن من يدعي خلافة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله ومن يجلس على منبره، والأعجب من ذلك حال الأشخاص الذين قرأوا سيرته وتاريخه ومع ذلك يعتبرونه من الصحابة الأجلاء لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله ولا يبيحون أية إهانة تلحق به! هذه نتيجة التعصب الأعمى الذي يجر الإنسان إلى كثير من البلايا والآفات.
[١]. أنساب الأشراف، ج ٥، ص ٦٢ (مع التخليص).