نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - الشرح والتفسير أيّتها الدنيا ابتعدي عنّي!
في غاية الروعة والبلاغة والجمال الأدبي:
«إِلَيْكِ عَنِّي [١] يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ [٢]
قَدِ انْسَلَلْتُ [٣] مِنْ مَخَالِبِكِ [٤]، وَأَفْلَتُ [٥] مِنْ حَبَائِلِكِ [٦]، وَ اجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ [٧]».
ونرى أنّ الإمام عليه السلام في هذه العبارات القصيرة يشبّه الدنيا بأربعة أشياء، الأوّل: أنّ الدنيا تشبه الناقة التي ربّما تكون جذابة وحلوبة، ولكنّ صاحبها عندما يريد تركها لترعى في المرتع فإنّه يضع لجامها على ظهرها أو رقبتها، فترى هذه الناقة نفسها أنّها صارت حرّة من صاحبها فتبتعد عنه وتنشغل بالرعي في المرتع.
وفي التشبيه الثاني، يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا بالسبُع الذي يروم صيد الفريسة بمخالبه القوية والخطيرة ويمزقها، ويقول الإمام عليه السلام: وأنا قد أفلتّ نفسي من مخالب هذا الحيوان المفترس فلا يصل إليَّ بعد ذلك.
وفي التشبيه الثالث، يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا بالصياد الذي نشر حبائله وشراكه لصيد الحيوانات أو الطيور، فيقول الإمام: لقد عرفت جيداً هذه المصائد والشراك وتخلصت منها فلا أقع فيها أبداً.
وفي التشبيه الرابع، يشبّه الإمام عليه السلام الدنيا بالمنزلق الخطير والوادي السحيق الذي يحتوي على مزالق كثيرة، منها: الشهوات، المال والمقام، الزوجة والأبناء، والعناوين البراقة والماديات المغرية، فيقول الإمام عليه السلام: لقد ابتعدت عن هذه المزالق جميعاً، ومن هذه الجهة فإنني لا أسقط في حبالها ولا في مخالبها ولا في منزلقاتها.
ثمّ يتابع الإمام عليه السلام خطابه للدنيا ويقول:
«أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ
[١]. «إليك عنّي» جملة تتشكل كلّ واحد منهما ظاهراً من جار ومجرور، في حين أنّ «إليك» اسم فعل بمعنى «أبعد». ويحتمل أن تكون جملة لفعل مقدّر وهو «أرجع» و «أبعد»، يعني «أرجع إليك وأبعد عنّي».
[٢]. «غارب» بمعنى المحل الذي يقع على ظهر ورقبة الناقة، ويأتي بمعنى الرقبة وآخر نقطة من الظهر.
[٣]. «انسللت» من مادة «سلّ» على وزن «حلّ» بمعنى سحب واخراجه بهدوء.
[٤]. «مخالب» جمع «مخلب» على وزن «منبر» تطلق على أظافر الطيور والوحوش.
[٥]. «أفلتّ» من مادة «فلت» على وزن «برف» بمعنى الخلاص والتحرر.
[٦]. «حبائل» جمع «حبالة» بمعنى المصيدة والشرك.
[٧]. «مداحض» جمع «مدحض» على وزن «مركز» بمعنى منزلق.