نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - الشرح والتفسير عامل الناس بالرفق!
فدخل القصر، فصاح به الأشتر اخرج من قصرنا لا امّ لك أخرج اللَّه نفسك، فواللَّه أنّك لمن المنافقين قديماً، قال: أجّلني هذه العشية. قال: هي لك ولا تبيتنّ في القصر الليلة، ودخل الناس ينتهبون متاع أبي موسى، فمنعهم الأشتر وأخرجهم من القصر، وقال: إنّي قد أخرجته فكّف الناس عنه» [١].
وكذلك ورد في كتب التاريخ: عندما وصل الإمام علي عليه السلام في مسيره إلى صفين، إلى أرض الرقة، فكان لابدّ لهم من عبور النهر، ولكن الناس لم ينصبوا الجسر للإمام عليه السلام وجيشه، (وكأنّهم كانوا يرتبطون بعلاقة خاصّة بمعاوية) فعزم الإمام أن يعبر النهر من جسر منبج [٢] (هو بعيد عن هذا المكان) فقال الأشتر لأهالي تلك المنطقة: اقسم باللَّه إذا لم يعبر أميرالمؤمنين هذا الجسر ولم تحضروا له جسراً ليمر عليه فاعاقبكم بسيفي هذا وأقتل رجالكم واخرب دياركم وآخذ أموالكم، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا الأشتر فهو يفي بقسمه قوموا واحضروا الجسر، فلما أحضروا الجسر وهيئوه عبر جيش الإمام أجمعه عليه، وكان الأشتر آخر نفر عبر عليه.
على أية حال فالإمام عليه السلام بعد هذه العبارات الهادفة والدقيقة يطرح على مالك الأشتر دساتير وتوصيات مهمّة في مجال التعامل مع الناس، بداية يقول:
«فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ».
وهذه إشارة إلى أنّ الأصل والأساس في كسب النجاح والتوفيق في إدارة البلاد وتدبير أموره هو الإستعانة بالذات المقدّسة وطلب المعونة والتسديد منه.
وفي التوصية الثانية يقول:
«وَاخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ [٣] مِنَ اللِّينِ».
وهو إشارة إلى أنّ أمر الحكومة وتدبير الولاية وإجراء البرامج الاجتماعيّة لا
[١]. تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٥٠١، حوادث سنة ٣٦.
[٢]. «منبج» على وزن «مجلس» اسم مدينة من مدن الشام.
[٣]. «ضغث» على وزن «حرص» تعني قبضة من الأعواد الرفيعة مثل سيقان الحنطة والشعير أو محمل التمر في النخلة، ويأتي بمعنى حزمة من حطب أو نبات الجاف أيضاً، وأحياناً تطلق على المنامات المضطربة، وهنا وردت بمعنى مجموعة من عوامل اللين.