نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - الشرح والتفسير أفضل الأعمال صلاح ذات البين!
تلك المنطقة جماعات كثيرة في لحظة وقوع الكسوف لرصد الشمس في ذلك الوقت، فلولا وجود نظم دقيق حاكم على عالم الوجود لما أمكن لعلماء الفلك أن يتنبأوا بمثل هذه الأمور، بل إنّهم يتنبؤون بالظواهر الكونيّة قبل آلاف السنين من وقوعها.
والآن لو أنّ الإنسان أراد في علاقاته الاجتماعيّة أن يسلك طريقاً اللانظم واللامبالاة فسيكون قطعة غير متجانسة مع عالم الوجود، ومثل هذا الشيء الاستثنائي وغير المنسجم من مظاهر الطبيعة محكوم بالفناء والزوال.
أمّا صلاح ذات البين والحديث الذي نقله الإمام عليه السلام عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله بأن إصلاح ذات البين أفضل من الصلاة والصوم، فالعلّة في ذلك جلية، لأنّه لولا مسألة إصلاح ذات البين والعمل على رفع الكدورات وإزالة العداوات وتبديل حالات الكراهية إلى حالات المحبّة والمودّة بين أفراد المجتمع الواحد، لسادت حالات التشتت والفرقة والتزلزل بينهم، وهذا بدوره يقود المجتمع كما يقول القرآن إلى الفشل والتناحر.
ولهذا السبب كان إصلاح ذات البين من أفضل العبادات بل ورد في الروايات الشريفة أنّ المصلح بمنزلة المجاهد في سبيل اللَّه:
«جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله اجْرَ المُصْلح بَيْنَ النَّاسِ كَاجْرِ المُجاهِدِ عِنْدَ النّاسِ» [١].
ولا شك ولا ريب في أنّ الجهاد يوجب عزّة الإسلام، والشخص الذي يتحرك في واقعه الاجتماعي من أجل إيجاد حالات التفاهم والتواصل بين الناس ويسوق المجتمع الإسلامي نحو التوحد والاتحاد فإنّ عمله هذا يتسبب في عزّة الإسلام والمسلمين.
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«صَدَقَةٌ يُحِبُّهَا اللَّهُ إِصْلَاحُ بَيْنِ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا وَتَقَارُبُ بَيْنِهِمْ إِذَا تَبَاعَدُوا» [٢].
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام حديثاً معروفاً، عندما قال مخاطباً المفضّل (وهو أحد أصحاب الإمام):
«إِذَا رَأَيْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنْ شِيعَتِنَا مُنَازَعَةً فَافْتَدِهَا مِنْ مَالِي»،
[١]. تفسير الثعلبي، ج ٩، ص ٨٠.
[٢]. الكافي، ج ٢، ص ٢٠٩، ح ١.