نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٩ - الشرح والتفسير لست كالبهيمة المربوطة!
القسم الرابع
فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا؛ أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ، أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ! وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ، وَمُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ». أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً، وَالنَّابِتَاتِ الْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَأَبْطَأُ خُمُوداً.
وَأَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ، وَالذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ. وَاللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا. وَسَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ، وَالْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ، حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ.
الشرح والتفسير: لست كالبهيمة المربوطة!
يشير الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الرسالة إلى أربع نقاط مهمّة، الاولى: أنّه يشير إلى هدفه من الزهد الشديد والتقشف الشامل ويقول:
«فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ [١]، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا [٢]، تَكْتَرِشُ [٣]
[١]. «المربوطة» تعني في هذا المورد الحيوان الذي يربط لغرض زيادة سمنه ولحمه.
[٢]. «تقمّم» بمعنى أخذ جميع ما يحتاج للسفر من طعام ومتاع، وفي الأصل من مادة «قمّ» على وزن «غمّ» وتعني تنظيف الدار وتعديلها، وكذلك تطلق على قطف الرياحين والنباتات بشكل كامل بواسطة شفاه الحيوان.
[٣]. «تكترش» من مادة «كرش» على وزن «كرج» وتعني معدة الحيوانات، وعليه فإنّ «إكتراش» تعني امتلاء المعدّة.