نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٧ - أهمّيّة المشورة في حياة الإنسان
فذكرنا أباه قال:
«كِانَ عَقلُهُ لايُوازِن بِهِ العُقُول، وَرَبَّما شَاورَ الأسوَدَ مِن سُدانِهِ، فَقيَل لَهُ: تُشاوُر مِثلَ هَذا؟ فَقالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى رُبَّمَا فَتَحَ عَلَى لِسَانِه» [١].
والملفت للنظر أنّ الغرض من المشورة، مضافاً إلى ما تقدّم بيانه من التأكيد البالغ على الاستشارة، أنّ المستشار يفكر في المسألة بنزاهة وبفكر خالص في ذلك الموضوع في حين أنّ صاحب المشكلة الذي يفكر بمنافعه، فإنّ فكره مشوب بالأهواء والمنافع الذاتية:
«إنّما حُضَّ عَلى المُشاوَرةِ لأنَّ رَأى المُشيرِ صَرفٌ وَرَأى المُستَشِيرِ مَشُوبٌ بِالهَوى» [٢].
كما ورد في كلام الإمام علي عليه السلام في هذا العهد: لا يصح استشارة أيّا كان، فالمستشار يجب أن يكون فرداً عاقلًا ومؤمناً لا يريد إلّاالخير لصاحبه، ولذلك نقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنّ المشورة لا تكون إلّابحدودها، فمن عَرَفَها بِحُدُودِها وَإِلّا كَاتْ مَضَرَّتَها عَلى المُستَشِير أَكثَرَ مِن مَنفَعَتِها لَهُ:
أَوَّلُها: أَنْ يَكونَ الّذِي يُشاوُره عَاقِلًا.
وَالّثانِية: أَنْ يَكونَ حُرّاً مُتديّناً.
الثّالُثة: أَنْ يَكونَ صَديقاً مُؤاخياً.
الرّابعة: أَنْ تُطلِعَهُ عَلى سِرِّكَ فَيَكُونَ عِلمُهُ بِهِ كَعِلمِكَ بِنَفسِك، ثُمَّ يَستر ذَلِكَ وَيَكتُمُهُ، فانَّهُ إِذا كَانَ عَاقِلًا انتَفعَت بِمشوَرتِهِ، وإِذا كَانَ حُرّاً مُتديّناً جَهَدَ بِنَفسِهِ فِي النّصِيحَةِ لَكَ، وَإِذا كَانَ صَديِقاً مُواخياً كَتَمَ سِرَّكَ».
وقال في ختام كلامه عليه السلام:
«إِذا أطلَعتَهُ عَلَيهِ، وَإِذا أطلَعتَهُ عَلى سِرِّكَ كَانَ عِلمُهُ بِهُ كَعِلمِك، وَتَمَّتْ المَشورَةُ وَكَمُلتْ النَّصِيحَةُ» [٣].
وفي عالمنا المعاصر أضحت المشورة والشورى أوسع بكثير من السابق،
[١]. بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ١٠١، ح ٢٥.
[٢]. غرر الحكم، ح ١٠٠٤٩.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ١٠٢، ح ٣٠.