نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - الشرح والتفسير ألا تؤمن بالمعاد؟!
القسم الأوّل
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي وَبِطَانَتِي، وَلَمْ يَكُنْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي لِمُوَاسَاتِي وَمُوَازَرَتِي وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ، وَالْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ، وَأَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ، وَهَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَشَغَرَتْ، قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ، فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ، وَلَا الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ. وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللَّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ، فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ، وَعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ، وَاخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَأَيْتَامِهِمُ اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الْأَزَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ، فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ، كَأَنَّكَ لَاأَبَا لِغَيْرِكَ حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ؟ أَوَمَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ!
الشرح والتفسير: ألا تؤمن بالمعاد؟!
في بداية هذه الرسالة يشير الإمام عليه السلام إلى تعاطفه وحبّه لهذا الوالي ويذكّره بخدماته ومؤازرته له في مواقع الشدّة ليثير فيه الشعور بالندم ممّا اقترفه من خطئة يقول عليه السلام:
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي، وَجَعَلْتُكَ شِعَارِي [١]
[١]. «شِعار» يطلق على الملابس الداخليّة التي تلتصق بشعر بدن الإنسان، ومن هذه الجهة تطلق هذه الكلمةعلى صاحب السرّ ومحرم الأسرار، في مقابل «دثار» وتعني اللباس الخارجي، ومفردة «شعار» لها معنى آخر وهو العلامة، وكذلك تطلق على الكلمات والعبارات التي تشير إلى أهداف القوم والجماعة، وقد وردت في الرسالة أعلاه بالمعنى الأوّل.