نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٦
أقرب منه إلى الوالي، فسوف لا يشعر القاضي بالأمن من حكمه وقضائه، فربّما يتوجه الخصم إلى حاشية السلطان ويسعى في تشويه سمعة القاضي لديه فيضطر القاضي إلى إصدار حكمه وفقاً لما يريده الخصم، وبعبارة أخرى يجب أن يكون القضاة مصونين من كلّ جهة ليحفظوا لهم استقلالهم القضائي.
وبعد هذه التوصيات الثلاث يقول الإمام عليه السلام مؤكّداً:
«فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً».
وكلمة
«ذلِكَ»
ربّما تشير إلى التوصية الأخيرة أو إلى التوصيات الثلاث بل حتى إلى الصفات الاثني عشر للقاضي، بمعنى ينبغي أن تنظر بدقّة في اختيار القضاة وكذلك في التحقيق في أعمالهم ورفع حاجاتهم وضمان حريتهم في ممارسة دورهم القضائي.
وفي نهاية هذا المقطع من الكلام يتجه الإمام عليه السلام لذكر الدليل على كلّ هذه التأكيدات التي سبق ذكرها، ويقول:
«فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وَتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا».
ومعلوم أنّ هذا الكلام يشير إلى زمان الخليفة الثالث عثمان حيث أمسك بعض الأفراد الفاسدين والمفسدين من بني اميّة وبني مروان زمام السلطة والقدرة ونهبوا أموال بيتالمال ولمتكن مسألة حفظ الإسلام والرسالة الإلهيّة مطروحة في قاموسهم.
أمّا أنّ الفساد الإداري والمالي في زمن عثمان قد امتد بشكل واسع في تفاصيل وأبعاد الحكومة فلا يشك أحد من المؤرخين في ذلك، غاية الأمر أنّ بعض علماء أهل السنّة ومن أجل حفظ مكانة عثمان قالوا: كان رجلًا ضعيفاً لم يتمكن من السيطرة على هذه الجماعة الشريرة وبالتالي فلت زمام الأمور من يديه وتولى رجال بني اميّة الحكم، ومن هنا فهو معذور!! وأمّا الكلام في معقوليّة مثل هذا العذر، فهي مسألة أخرى.
وقد أشار الإمام عليه السلام في الخطبة الشقشقية إلى هذه المسألة حيث قال:
«وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيع».