نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩١ - الشرح والتفسير ألا تؤمن بالمعاد؟!
الْمُفَارِقِينَ، وَخَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ، وَخُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ، فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ [١]، وَلَا
الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ».
وجملة
«قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ»
تعني في معناها الحرفي: قلبت الدرع لابن عمّك على باطنه، وهي كناية عن إعراضه عن الإمام عليه السلام، لأنّ المجاهدين في ميدان الحرب عندما يواجهون الطرف الآخر وجهاً لوجه يلبسون الدروع أمامهم ويكون ظهر الدرع في الواجهة، ولكن في حالة الهرب يكون باطن الدرع في مواجهتهم، ومن هذه الجهة استخدمت هذه الحالة كناية عن الشخص الذي يعرض عن شخص آخر أو عن شيء.
وفي الجمل الخمس الاولى يرسم الإمام عليه السلام حالة الزمان: صعوبة الظروف في المحيط الاجتماعي، جرأة العدو في الحرب، عدم اهتمام الناس بأمر الأمانة، عدوان الامّة على الأحكام الإلهيّة.
ثمّ يستعرض الإمام عليه السلام مخالفات ابن عمّه معه من أبعاد مختلفة وذلك في عدّة جمل: الإعراض عن الإمام، التماهي مع المناوئين، خذلانه للإمام وعدم نصرة الحقّ، الانسياق مع الخاذلين وخيانته لبيت المال مع الخائنين، وعلى ضوء ذلك فإنّ جميع هذه الصفات التي أطلقها الإمام عليه السلام عليه بهذه الجمل البليغة والزاخرة بالمعنى جسد الإمام حالات هذا الوالي الذي خذل الإمام في ساعات المحنة، ونرى الإمام عليه السلام بيّن الجملتين الآخرتين بفاء التفريع: مفارق الإمام مع المفارقين والخيانة في الأمانة.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتحرك لرصد أعمال هذا الوالي ويتحدّث معه بلغة الوجدان لإثارة أحاسيسه الدينيّة بهذه العبارات:
«وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللَّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَكَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ، وَتَنْوِي غِرَّتَهُمْ [٢] عَنْ فَيْئِهِمْ».
[١]. «آسَيْتَ» من مادة «مُواساة» وتعني المعاونة والمساعدة.
[٢]. «غِرَّة» وتعني الخدعة والإغفال.