نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٥ - الشرح والتفسير رعاية إنصاف في أخذ الخراج
الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً، وَلَا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً» [١].
وفي هذه العبارة الواردة بصورة النهي يصدر الإمام عليه السلام أربعة أوامر: النصيحة لبعضهم البعض، وحسن الخلق والسلوك مع جند الإسلام، والسعي في طريق مدّ يد العون للرعية، والعمل على مستوى تقوية دعائم الدين الإسلامي، ومع الالتفات إلى أنّ المخاطب في هذه الجملة هم عمّال الخراج، يتبيّن أنّ الواجب عليهم في مسير أداء مسؤوليّتهم، الاهتمام بالتكاليف الأخرى الواجبة عليهم أيضاً.
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ الجملة:
«وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً»
أنّ الأنفس هنا تعني ذات الشخص، وذهب آخرون إلى أنّها تعني نفوس الآخرين، والظاهر أنّ المعنى الثاني أنسب.
ومعلوم أنّ عمّال الخراج لو عملوا بهذه الوظائف الأربع، أي أنّهم تحركوا في علاقتهم فيما بينهم من موقع التواصي والتناصح وكذلك تعاملوا مع الرعيّة وجنود الإسلام بآلية اللطف وحسن الخلق، وعزموا في نيّاتهم على تقوية الدين الإسلامي وتوطيد الرسالة الإلهيّة، فإنّ المجتمع الإسلامي سيشهد إزدهاراً كبيراً وتطوراً مهمّاً.
وفي ختام هذه الرسالة يبيّن الإمام عليه السلام آخر توصية لعمّاله على الخراج ويقول:
«وَأَبْلُوا [٢] فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ [٣] عِنْدَنَا
وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ».
وهذه إشارة إلى أنّ الاعتماد على اللَّه ضروري لتحقيق النجاح وكسب الموفقيّة
[١]. وردت في بعض الروايات هذه الجملة وما بعدها في رسالة الإمام عليه السلام إلى قادة جيشه. (من كتاب صفين لنصر بن مزاحم، ص ١٢٥)، والتعبير بالجند يتناسب مع هذا النقل.
[٢]. «ابلوا» (من باب إفعال) بمعنى السعي وبذل الجهد لأداء الشيء، وأحياناً تأتي بمعنى الامتحان والاختبار أوالتحلل والانحلال، وفي هذا المورد جاء بالمعنى الأوّل.
[٣]. «اصطنع» من مادة «اصطناع» بمعنى طلب الشيء، وأحياناً تأتي بمعنى صناعة الشيء وتربيته، وهنا جاءت بالمعنى الأوّل.