نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٦ - الشرح والتفسير إحذر من لعنة المظلومين!
الآخرين بالعدالة، فمن هذه الجهة يطلق عليه «انصاف» وبعبارة أخرى أنّ الانصاف هو أن يحبّ الإنسان للآخرين ما يحبّ لنفسه وأقربائه وأصدقائه، ويكره للآخرين ما يكره لنفسه والأشخاص المتعلقين به.
ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«سَيِّدُ الْأَعْمَالِ ثَلَاثَةٌ إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى لَاتَرْضَى بِشَيْءٍ إِلَّا رَضِيتَ لَهُمْ مِثْلَهُ» [١].
وأمّا الانصاف بالنسبة للَّهتعالى فهو أن يقسم الإنسان المواهب الإلهيّة بشكل عادل، فنصفها ينفقها في سبيل اللَّه ويبقي النصف الآخر لنفسه، وهكذا يقسم وقته وفكره وإمكاناته الأخرى بهذا المنوال حتى يراعي على الأقل الانصاف وإن لم يصل إلى حدّ الإيثار.
ومن الطبيعي أنّ هذا العمل ليس بالهين واليسير، لأنّ الإنسان يميل دوماً نحو ترجيح كفّة نفسه وأقربائه على كفّة الآخرين، ومن هنا ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه:
«ألا اخْبُرُكَ بِأشَدِّ ما فَرَضَ اللَّهُ عَلى خَلقِهِ»
، قلت:
بلى. قال:
«إِنْصَافُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ وَمُوَاسَاتُكَ أَخَاكَ وَذِكْرُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَوْطِن ...» [٢].
والفرق بين الانصاف والمواساة، هو أنّ الانصاف يكون في مورد الحقوق، والمواساة تقع في جميع مواهب الحياة ونعم اللَّه تعالى على الإنسان.
ويتابع الإمام عليه السلام كلامه ويذكر دليلًا على قوله، وهذا الدليل مركب، في الحقيقة، من صغرى وكبرى ونتيجة ويقول:
«فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ! وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ [٣] حُجَّتَهُ، وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ [٤] أَوْ
يَتُوبَ».
[١]. الكافي، ج ٢، ص ١٤٤، ح ٣.
[٢]. المصدر السابق، ص ١٤٥، ح ٨.
[٣]. «ادحض» من مادة «دحض» على وزن «محض» وتعني بطلان الشيء، وعندما تأتي من باب إفعال تعني إظهارالبطلان، وإبطال الحجّة في مورد بمعنى عدم قبول العذر.
[٤]. «ينزع» من مادة «نزع» على وزن «نظم» يعني قلع وفصل الشيء وتركه، وينبغي الالتفات إلى أنّ التناسب في الجملة أعلاه يقتضي أن تكون «أو» بمعنى الواو، وجاء في بعض نسخ نهج البلاغة واو بدل «أو».