نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٩ - الشرح والتفسير كيف أكون أميرالمؤمنين ولا اشاركهم في مكاره الدهر؟
يوم القيامة، واللافت أنّه لم ينقل عن الإمام عليه السلام أنّه استعاد فدك في أيّام حكومته وخلافته حيث كان بإمكانه ذلك.
ومن أجل أن لا يتصور أحد أنّ الإمام عليه السلام يرغب في تملك فدك في نفسه، يتابع الإمام القول:
«وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ. وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا [١] فِي غَدٍ جَدَثٌ [٢] تَنْقَطِعُ
فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا».
ثمّ يواصل الإمام عليه السلام في هذا الحديث بتوضيح أكثر ويتحدّث عن القبر ونهاية حياة الإنسان ويقول:
«وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لَأَضْغَطَهَا [٣]
الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ [٤]، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ».
وهذه إشارة إلى أنّ القبر عادة يكون حفرة صغيرة لا تتسع لأكثر من جسد الإنسان، بل أحياناً يتمّ إدخال الميت إلى هذه الحفرة بصعوبة بالغة، وعلى فرض أنّ الحافر للقبر عمل على توسيع حفرة القبر بنفسه أو بطلب من الورثة، فمع ذلك لا ينفع الميت شيئاً، لأنّه لابدّ من ملء ثغرات الحفرة بالحجر والطين وتغطية جميع نوافذه وثغراته بشكل كامل، فالإنسان الذي يعيش مثل هذا المصير كيف يرتبط قلبه بمال الدنيا وبساتينها وزينتها وقصورها؟
وما ورد في الروايات أنّ المرء إذا شعر بالحزن والغم فعليه بزيارة أهل القبور للتخفيف عن غمّه وحزنه، فربّما يكون ناظراً إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الغم عادة ما يكون بسبب المال والمقام والدنيوي، وعندما يصل الإنسان إلى آخر منزل في حياته ويرى مصيره في نهاية هذه الحياة وأنّه سيودع يوماً جميع ما يملكه من أموال ومقام وجاه، ويكتفي بعدّة قطع من الكفن يأخذها معه إلى القبر فذلك من شأنه أن
[١]. «مظانّ» جمع «مظنة» بمعنى المكان الذي يضم أو يطمئن الإنسان بوجود الشيء يطلبه فيه.
[٢]. «جدث» بمعنى القبر.
[٣]. «اضغط» من مادة «اضغات» بمعنى العصر من مادة «ضغت» على وزن «وقت» بمعنى استخدام القوّة في الشيءوالضغط عليه.
[٤]. «المدر» يقال للطين الصلب الملتصق ببعضه مثل قطعة الآجر.