نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣ - طلاق الدنيا
هذا الخطاب واستدعاها إلى محاكمتها بهذه القوّة والحزم وبالتالي أثبت إدانتها وزيفها وتخلص من شراكها ومصائدها.
أجل، فالشخص الوحيد الذي بإمكانه أن يحاكم الدنيا بهذه الطريقة ويخاطبها بهذا الخطاب الشديد القاطع هو الذي استطاع إنقاذ نفسه من براثنها، وضرب على صدرها بيد الإعراض والطرد مع انفتاح جميع الطرق أمامه لتحصيل المآرب الدنيويّة، ولكنّه لم يستسلم لها ولجواذبها بأية صورة.
وهذا لكلام يتضمّن جواباً حاسماً على من يقول إنّ الدنيا قد أجبرتنا على التصرف على سلوك طريق الشر والرذيلة، فالإمام عليه السلام يقول: مادام الإنسان ملتزماً بمقتضيات الإيمان والقيم ولم يستسلم للدنيا من موقع الإذعان والخضوع فإنّها لا تستطيع إذلاله وإجباره على إرتكاب الخطيئة، فصحيح أنّ الدنيا بكلّ ما فيها من الجواذب والزخارف تستهوي الإنسان وتدعوه لمواقعتها، ولكنّها لا تجبر أحداً أبداً على اتباعها والتسليم لمطالبها، كما يتحدّث القرآن الكريم عن الشيطان ويقول:
«وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطانٍ إِلّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لى فَلا تَلُومُوني وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ» [١].
تأمّل
طلاق الدنيا
ما يبيّنه الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الرسالة في صدد محاكمته للدنيا وأنّها لو كانت شخصاً مريئاً وقالباً حسياً لأجرى حدود اللَّه تعالى عليها بسبب خداعها وإغوائها للكثير من الناس، يدعونا لتذكر حديث شريف آخر للإمام علي عليه السلام يشير فيها إلى أنّه في عالم المكاشفة رأي الدنيا وقال: «إنّي كنت بفدك في بعض حيطانها، وقد صارت لفاطمة عليها السلام قال: فإذا أنا بامرأة قد قحمت عليَّ بجمالها فشبهتها ببثينة
[١]. سورة إبراهيم، الآية ٢٢.