نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٥
وفي التوصية الثانية يقول عليه السلام:
«وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ».
وهذه إشارة إلى أنّ أحد عوامل الفساد في السلطة القضائيّة، قلّة الحقوق الماليّة للقضاة والموظفين في الجهاز القضائي، فينبغي أن يضع الوالي لهم مخصصات ورواتب شهرية كبيرة ليتنسى لهمالعيش بشكل معقول وشريف ولايفكروا بعد ذلك بقبولالرشوة.
يقال إنّ في بعض البلدان في هذا العصر يصدرون صكاً أبيضاً ويسلّموه للقضاة ليكتبوا فيه أي رقم يريدونه لتمرير المسألة لصالحهم.
وهذا الكلام، سواءً كان صحيحاً أو مبالغ فيه أو كان كاذباً يعكس لنا هذه الحقيقة، وهي أنّ القاضي يجب أن يكون له نصيب من بيت المال يتناسب مع حياته ومعيشته.
والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام بالنسبة لمسألة تأمين الحقوق الماليّة لضمان معيشة محترمة، سواءً بالنسبة للقضاة أم بالنسبة لقادة الجيش كما تقدّم سابقاً، يبرز الإمام عليه السلام حساسية شديدة تجاه هذه المسألة، فصحيح أنّ جميع الموظفين والمسؤولين وحتى أفراد الجهاز القضائي وأفراد الجيش الإسلامي يجب أن تتوفر لهم معيشة كافية، ولكنّ تأكيد الإمام عليه السلام على هاتين الفئتين بالخصوص يشير إلى لزوم الاهتمام أكثر بأعمال هاتين الفئتين من أجل حفظ الحدود والثغور وكذلك من أجل حفظ حقوق الناس.
ثمّ يتطرق الإمام عليه السلام للتوصية الثالثة ويقول:
«وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ [١] الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكِ».
وهذه النقطة مهمّة، وهي أنّ القاضي يجب أن يعيش الحرية الكاملة في إنشاء الحكم العادل ولا ينبغي أن يخضع تحت أية ضغوط اجتماعيّة وفئويّة، وهذا لا يتسنى إلّاإذا كان القاضي أقرب الناس إلى الوالي والقائد، لأنّه لو كان هناك أفراد
[١]. «اغْتِيال» في الأصل بمعنى إغفال الشخص الإضرار به، وأحياناً تطلق على القتل غدراً، وفي العبارة أعلاه وردت بالمعنى الأوّل.