نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٣
في قضية معينة لسنوات عديدة، وخاصّة إذا قام المحامون بوضع العصي لإعاقة عجلة الحكم، فأحياناً وبذريعة بسيطة يتمّ تأخير إصدار الحكم في القضية في الحكم.
١١. قوله عليه السلام:
«وَأَصْرَمَهُمْ [١] عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ».
وهذه إشارة إلى أنّ الاحتياط الذي يمارسه القاضي والصبر في مقابل بيان حجج الطرفين والتحقيق في الأدلّة لا يعني أنّه سيتردد في مقام إنشاء الحكم ويبتلي بالوساوس ويوكل إنشاء الحكم إلى غدٍ وبعد غد، بل ينبغي أن يكون كالسيف الصارم في الحزم وفصل الخصومة بإنشاء الحكم القاطع ولا يفكر بتداعياته وآثاره فيما بعد، لأنّ إنشاء الحكم عادة يقع بنفع أحد الطرفين ويؤدّي بالتالي إلى امتعاض الطرف الآخر وعدم رضاه وسيلجأ للمحامين والأصدقاء وأحياناً للقبيلة والطائفة لفرض رأيه على القاضي، وهذه المسألة من اللوازم الطبيعية للقضاء، ومَن يفكر في هذه الأمور ويتحرك على مستوى الاحتياط في إصدار الحكم لا ينبغي أن يجلس على كرسي القضاء.
١٢. وفي آخر صفة من الصفات القاضي اللائق يقول الإمام عليه السلام:
«مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ [٢] إِطْرَاءٌ [٣] وَلَا يَسْتَمِيلُهُ [٤] إِغْرَاءٌ [٥]».
وغير خفي عن البيان أنّ الأشخاص المغرورين والمعجبين بأنفسهم عندما يسمعون عبارات المدح والثناء والتمجيد من قِبل البعض تجاههم، فربّما ينحرفون عن مسير الحقّ ويؤثر حبّ الذات في ميلهم إلى جهة المداحين، وبسبب هذه العلاقة النفسية يحكم هذا القاضي بما يصبّ في نفع هذا الشخص ظلماً وعدواناً، وهنا يؤكّد
[١]. «أصْرَم» من مادة «صرم» على وزن «سرد» بمعنى قطع الشيء، وتأتي أحياناً للقطع المعنوي والقاطعيّة والحزم في إدارة الأمور.
[٢]. «يَزْدَهيه» من مادة «إزدهاء» ويعني العجب والغرور والأنانية.
[٣]. «إطْراء» بمعنى المدح والثناء الكثير والتبجيل.
[٤]. «يَسْتَميلُهُ» من مادة «استمالة» بمعنى جذب الشخص أو الشيء نحوه.
[٥]. «اغراء» في الأصل بمعنى الصاق شيء بشي آخر، ثمّ استخدمت بمعنى التشويق والتحريك لإنجاز لعمل معين، وفي الجملة أعلاه وردت بمعنى التشويق الكثير.