نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥ - روعة البلاغة في هذه الرسالة
وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَاتَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ» [١].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام ينطلق بالدعاء ويتوجّه إلى اللَّه تعالى من أعماق قلبه ويسأله أن يخلصه من هذا الواقع الأليم:
«أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجَاً عَاجِلًا».
ولغرض التأكيد على هذه الحقيقة يضيف الإمام عليه السلام:
«فَوَاللَّهِ لَوْلَا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ؛ وَتَوْطِينِي [٢] نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ، لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَلْقَى مَعَ
هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً، وَلَا أَلْتَقِي بِهِمْ أَبَداً».
إنّ نذالة هؤلاء الأتباع وخسّتهم وصلت إلى درجة أنّ الإمام عليه السلام بما يملك من صبر واستقامة بحيث بقي خمس وعشرين عاماً في زاوية البيت وفي الحلق شجى وفي العين قذى كما يقول الإمام عليه السلام نفسه وقد تحمل ذلك، ولكن في هذه المدّة القصيرة من خلافته واجه الإمام عليه السلام ضغوطات وصعوبات بحيث إنّه تمنى أن لا يبقى مع هؤلاء الناس ولا يوماً واحداً، وما يدعوه للبقاء معهم هو شوق الشهادة في سبيل اللَّه تعالى.
ومثل هذا الكلام ذكره الإمام عليه السلام في الخطبة ١١٩ حيث قال:
«وَاللَّهِ لَوْلَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ- وَلَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ- لَقَرَّبْتُ رِكابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَشَمَالٌ ...».
تأمل
روعة البلاغة في هذه الرسالة
تعتبر هذه الرسالة من أفصح وأبلغ رسائل وكتب الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام والتي كتبها بعبارات موجزة وكلمات بليغة بحيث أدّى حقّ المطلب تماماً.
وقد تأثر ابن أبي الحديد كثيراً بفصاحة وبلاغة هذه الرسالة فقال في شرحه لهذه
[١]. سورة التوبة، الآية ٨١.
[٢]. «تَوْطِين» تعني تهيئة الشيء، وأصلها من «وطن» على وزن «بطن» وتعني اختيار الوطن، وبما أنّ كلّ إنسانعندما يختار محلًا للسكن فإنّما يهيىء نفسه للحياة في ذلك المكان، فالتوطين يعني التهيؤ.