نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥ - الشرح والتفسير تطييب خاطر محمّد بن أبي بكر
والحقيقة أنّ مالك الأشتر رحمه الله كان كذلك، بلاءه المشهود في صفين ودفاعه الحاسم عن الإمام عليه السلام في مواقع مختلفة ووفاءه المطلق واستقامته في جميع الحوادث الصعبة التي وقعت في ذلك العصر، كلّها شاهد حي على صحة كلام الإمام عليه السلام في حق الأشتر، فقد كان الأشتر هو القائد الفذ الذي جعل جيش معاوية في صفين يصل إلى حدّ الهزيمة الكاملة، ولكن مؤامرة رفع المصاحف على الرماح أجهضت سعيه وأعاقت تحقيق النصر على معاوية.
يقول ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عند وصوله لجملة
«فَرَحِمَهُ اللَّهُ»
: «ولست أشك بأنّ الأشتر بهذه الدعوة يغفر اللَّه له ويكفّر ذنوبه ويدخله الجنّة، ولا فرق بينها وبين دعوة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله،
وَياطُوبىْ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ عَليٍّ عليه السلام بَعضُ هَذا» [١].
وقد تحدّث الإمام عليه السلام في رسائل عدّة في نهج البلاغة عن مالك الأشتر بوصفه شخصيّة ممتازة وعالي الهمة، وهذا الثناء يشير إلى أنّ للأشتر مكانة سامية عند الإمام عليه السلام الذي كان يكنّ له الحبّ والاحترام، وقد تحدّثنا في شرح الرسالة ١٣ عن بعض فضائل مالك الأشتر وامتيازاته النادرة، وسنشير في ذيل هذه الرسالة والرسائل أخرى أيضاً إلى أمور أخرى عن هذه الشخصيّة الإسلاميّة الفذة.
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى نقطة ثالثة: ولكن الآن حيث استشهد مالك ولا أعرف أفضل منك لتولي هذا المنصب فعليك بالبقاء فيه والاستعداد لمواجهة العدو بشجاعة وبصيرة:
«فَأَصْحِرْ [٢] لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ، وَشَمِّرْ [٣] لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ».
وجملة
«فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ»
إشارة إلى هذه النقطة، وهي أنّ الإمام عليه السلام أكد عليها في خطبة الدعوة للجهاد حيث قال:
«وَقُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٦، ص ١٤٤.
[٢]. «أَصْحِرَ» فعل أمر من مادة «اصحار» وتعني الخروج والظهور في الصحراء.
[٣]. «شَمِّر» من مادة «تشمير»، وأصل شمّر على زون «تمر» وتعني الجمع وحسب المنتوج والاستعداد لعمل معين.