نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - الشرح والتفسير وصايا هامّة على فراش الشهادة!
والملفت أنّ أباالطفيل (الصحابي المعروف ومن الأتباع المخلصين للإمام علي عليه السلام) يقول: «رأيت عليّاً عليه السلام يدعو اليتامى فيطعمهم العسل، حتى قال بعض أصحابه: لوددت أني كنت يتيماً» [١].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في وصيّته الثانية يؤكّد على ضرورة الاهتمام بحقّ الجيران ويقول:
«اللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ. مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ [٢]».
وجملة
«فَإِنَّها وصِيَّةِ نَبِيِّكُمْ»
، إمّا من باب حذف المضاف، وهي في الأصل:
«فإنّها محل وصّية نبيّكم»
، أو من باب التأكيد بأنّهم عين وصيّته، من قبيل أن يقال:
زيد عدل، أو نقول مثلًا: الشخص الفلاني عين العدالة.
والتعبير ب «ظنّ» في جملة در جمله
«حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ»
، بأن يكونوا شركاء في الميراث إمّا على مستوى التأكيد ومن خلال ما سمعوه من تكرار توصية النّبي بالجيران، أو يراد بها المعنى الحقيقي، وأنّهم حسبوا واقعاً أنّ مقام الجيران إلى درجة يمكن أن يلحقوا بالأرحام والأقرباء ويكونون شركاء في الميراث.
وعلى أيّة حال فالجار في الإسلام يتمتع باحترام خاص خلافاً لما نراه في عالم اليوم والحياة المادية في المجتمعات المعاصرة، فربّما عاش رجلان عشرين سنة جيراناً ولكن أحدهما لا يعرف الآخر بتاتاً.
إنّ فلسفة احترام الجار في الإسلام جلية وواضحة، لأنّ الإسلام دين اجتماعي بامتياز، فتعاليمه ناظرة إلى تجمع الاسرة، تجمع الأقرباء والأرحام، تجمع الجيران، تجمع أهالي المدينة، تجمع المواطنين في البلد الواحد، فكل واحد من أفراد هذه التجمعات له مكانة خاصّة في الإسلام، فلو أنّ الجيران كانوا يهتمون واقعاً ببعضهم
[١]. بحار الأنوار، ج ٤١، ص ٢٩.
[٢]. «سيورثهم» «ورث» (صيغة الثلاثي المجرّد) تعني أخذ الميراث، ولكن «ورّث» من باب التفعيل تعني اعطاء الميراث أو ترك الميراث.