نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - الشرح والتفسير وصايا هامّة على فراش الشهادة!
المراد أنّ دائرة الجيران تمتد لشعاع أربعين منزلًا من كلّ جهة، ونعلم أنّ مساحة الدائرة تساوي ضرب نصف القطر في عدد ١٤/ ٣، ويتبيّن في حساب بسيط أنّ المجموع يبلغ قرابة خمسة آلاف بيتاً، فجميع هذه البيوت والدور، وفق ما ورد في الحديث الشريف، تعتبر من الجيران، أي أنّها مدينة مكونة من عشرين ألف نفر.
ونختم هذا الكلام بذكر قصّة تاريخيّة، ينقل ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة أنّ رجلًا يدعى أبوالجهم باع داره وكان في جواره سعيد بن العاص بمائة ألف درهم، فلمّا أحضرها المشتري قال (أبوالجهم) له: هذا ثمن الدار، فأعطني ثمن الجوار، فقال المشتري: أي جوار قال: جوار سعيد بن العاص، قال: وهل اشترى أحد جواراً قط، قال: ردّ عليَّ داري، وخذ مالك، لا أدع جوار رجل إن قعدت سأل عنّي وإن رآني رحّب بي، وإن غبت عنه حفظني، وإن شهدت عنده قرّبني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني نائبة فرج عنّي، فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه مائة ألف درهم، وقال: هذا ثمن دارك، ودارك لك [١].
ونقرأ في التوصية الثالثة أنّ الإمام عليه السلام يؤكّد على العمل بالقرآن والالتزام بتعاليمه وأحكامه ويقول:
«وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ، لَايَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ».
وهذا الكلام إشارة إلى أنّكم لا ينبغي أن تقنعوا بتلاوة القرآن وتجويده وتغفلوا عن مضامينه وتعاليمه، في حين أنّ الأجانب يتحركون في حياتهم من موقع العمل بمضامين القرآن وتعاليم الإسلام، مثلًا، عندما يعرضون بضاعتهم في السوق يراعون الصدق والأمانة في معاملاتهم ولكنّكم لستم كذلك، أو أنّهم يلتزمون بعهودهم ومواثيقهم وأنتم تنقضون العهود ولا تلتزمون بالمواثيق فيما بينكم، وأولئك يسعون بجديّة لتحصيل وكسب العلوم المختلفة وإيجاد حالة النظم والانضباط في علاقاتهم ولكنّكم لا تهتمون لذلك فتبقون في ركب التخلف والتبعية، كما نشاهد هذا الحال- وللأسف- في بعض المجتمعات البشرية والإسلاميّة وأنّهم يعملون على وضع
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٧، ص ٩.