نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩ - الشرح والتفسير لا تهلك نفسك ولا الناس
زمان الجاهليّة وأعرضوا عن الإسلام والرسالة الإلهيّة وأخذوا يتفاخرون بالحسب والنسب كما كان العرب يتفاخرون في الجاهليّة.
ونعلم أنّ معاوية كان من بقايا العصر الجاهلي، وأبوه أبوسفيان العدو الأوّل للإسلام والنّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأنّ غالبية الحروب والفتن ضد الإسلام كانت بقيادة أبي سفيان، وقد أعلن أبوسفيان الإسلام ظاهراً وأخذ ينتظر اليوم الذي تملك فيه بنو اميّة مقاليد الأمور ويسيطروا على أجهزة الحكومة الإسلاميّة ويجلسون مجلس النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وحينئذٍ يتحركون على مستوى إعادة الناس إلى قيم وثقافة الجاهليّة، ويذكر التاريخ أنّ هؤلاء قد نجحوا في مسعاهم غاية النجاح، ولولا حادثة عاشوراء ومقتل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في كربلاء ويقظة المسلمين في ظلّ هذه الحوادث الدامية بحيث لم تستمر حكومتهم أكثر من ثمانين عاماً، فإنّه لا يعلم أحد ما سيجري على الإسلام والمسلمين.
ثمّ يستثني الإمام عليه السلام طائفة من أهل الشرف والدين والإيمان، هؤلاء من الذين انخدعوا بأساليب معاوية وكلامه البراق، ولكنّهم عندما رأوا عن كثب أعماله وعرفوا حقيقة أمره أعرضوا عنه والتحقوا بالإمام علي عليه السلام وأصحابه يقول الإمام عليه السلام:
«إِلَّا مَن فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ وَهَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ [١]، إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ، وَعَدَلْتَ بِهِمْ عِنِ الْقَصْدِ».
مفردة
«إلّا»
استثناء من
«جيل»
التي قالها الإمام عليه السلام في مطلع الرسالة وإشار إلى المخدوعين والمغرورين الذين تأثروا بشبهات معاوية من قبيل شبهة قتل عثمان والمطالبة بدمه وشبهات أخرى والتحقوا به، ولكنّهم عندما رأوا أعماله وسلوكياته عن كثب وشاهدوا فساد أعوانه وأنّهم عموماً من بقايا عصر الجاهليّة أو من أبنائهم،
[١]. «مُوَازَرَة» من مادة «وزر» تعني الحمل الثقيل، وإنّما سمي الوزير وزيراً لأنّه يحمل مسؤوليّة ثقيلة على عهدته، وموازرة تأتي أيضاً بمعنى المعاونة والمساعدة، لأنّ الإنسان عندما يعين الشخص الآخر فإنّما يحمل قسماً من عمله ومسؤوليّته على عهدته.