نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢
فحسب القاعدة يجب على القاضي في هذا المورد اللجوء إلى القرعة للفصل بينهما، ولكن الإمام عليه السلام تحرك على مستوى البحث عن الأدلّة، فأمر بأن يأتوا له بالسيف وقال: سوف أشق هذا الولد إلى نصفين، فكل واحدة منكما تأخذ نصفاً من هذا الطفل، فصاحت الام الحقيقية بأنني تنازلت عن حقّي فادفعوا هذا الطفل إلى المرأة الاخرى، فعرف الإمام عليه السلام بهذه الطريقة المدعي الحقيقي من الكاذب، وهناك الكثير من هذه الأمثلة في قضايا أميرالمؤمنين عليه السلام وقضائه [١].
٩. وقوله عليه السلام:
«وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً [٢] بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ».
في الكثير من الحالات يكون لكلّ واحد من الطرفين المتخاصمين أدلّة وشواهد عديدة ويطرحها بالتالي على القاضي ممّا يسبب له إزعاجاً وإرهاقاً، وإذا كان القاضي ضيق الصدر وسريع الانفعال فسيقوم بطردهما، وما أكثر الأدلّة الواقعية التي تبقى طي الكتمان بهذا العمل، ولكن إذا كان يملك سعة الصدر ولا ينفعل بسهولة فإنّه يستطيع إعادة الحقّ إلى أهله.
يجب على القاضي أن يمنح طرفي النزاع مقداراً كافياً من الوقت ليبيّنا له ما أمكنهما من الشواهد والأدلّة لإثبات الدعوى.
. وقوله عليه السلام:
«وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ».
وبديهي أنّ القاضي لو كان عجولًا ومتسرعاً فسوف لا تتضح لديه حقيقة الأمر وبخاصّة في الدعاوى المعقدة، ولكن إذا كان يتحلّى بالصبر والتريث ولا يصدر حكمه النهائي بسرعة، فإنّه يستطيع بشكل أفضل أن يكشف الستار عن وجه الحقّ في المسألة، وهذا الكلام لا يعني أنّ الملفات القضائيّة، كما هو الحال في زماننا، يتمّ تأخيرها إلى أيّام وشهور عديدة بحجّة التحقيق في الملف، وأحياناً يتأخر الحكم
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٢١٢، ح ١١؛ بحار الأنوار، ج ٤٠، ص ٢٥٢، ح ٢٦، ولاطلاع أكثر انظر: وسائل الشيعة، ج ١٨، كتاب القضاء الباب ٢١.
[٢]. «تَبَرُّم» من مادة «برم» في الأصل بمعنى حياكة الحبل وأمثاله، ثمّ اطلقت على كلّ شيء يثير التعب والملل، وفي العبارة أعلان وردت بمعنى الانزعاج الشديد والتعب.