نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠ - الشرح والتفسير لا تهلك نفسك ولا الناس
فالتفتوا بسرعة إلى خطئهم وغفلتهم وابتعدوا عنه، هذه الفئة رغم أنّهم قلّة في مقابل الكثير ممّن اتّبعه، ولكن مقامهم الكريم يستوجب أن يذكرهم الإمام عليه السلام بوصفهم أهل البصائر والسائرون في طريق الحقّ والمنيبون إلى اللَّه تعالى.
ويذكر المحقق التستري في شرحه لنهج البلاغة ذيل الخطبة ١٥٥ أسماء جماعة من أهل البصائر الذين التحقوا بالإمام علي عليه السلام في معركة صفين ومنهم: ابن عم عمرو بن العاص وابن اخته شرحبيل، وعبداللَّه بن عمرو العنسي، وكذلك جماعة من قراء القرآن [١].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام في المقطع الثالث من هذه الرسالة يوصي معاوية بتقوى اللَّه ويقول:
«فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ، وَجَاذِبِ [٢] الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ [٣]، فَإِنَّ الدُّنْيَا
مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ، وَالْآخِرَةَ قَرِيبَةُ مِنْكَ، والسَّلَامُ».
ورغم أنّ معاوية بعد شهادة الإمام علي عليه السلام بقي على قيد الحياة عشرين سنة، ولكن مع الالتفات إلى أنّ عمره ستون في ذلك الزمان الذي كتبه الإمام عليه السلام هذه الرسالة فإنّه قد مضى عليه الشطر الأكبر من حياته وكل شخص في مثل هذا العمر لابدّ أن يفكر في نهاية عمره وعاقبته.
وجملة
«وَجَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ»
، تشير إلى أنّ معاوية قد سلّم زمام أموره بيد الشيطان، فالإمام عليه السلام يوصيه بأن يمسك زمامه ولا يترك الشيطان يقوده في دروب الضلالة والانحراف، لأنّ نهاية عمره قريبة وأهم شيء في حياة الإنسان هو حسن العاقبة حيث يمكنه حلّ مشكلاته بهذه الطريقة.
والعجب أنّ مثل هؤلاء الجبّارين عندما يحين أجلهم، كما هو حال فرعون عندما غمرته أمواج النيل، ينتبهون من غفلتهم وفي حين أنّه قد ولّى وقت جبران
[١]. انظر: شرح نهج البلاغة، للعلّامة التستري، ج ١٠، ص ٢٦٩.
[٢]. «جَاذِبِ» صيغة أمر، يعني مأخوذ من مادة «جذب» بمعنى جر الشيء إلى نفسه.
[٣]. «قِيَاد» بمعنى زمام، وأصلها من «قيادة» وهي الزعامة وتولي أمور الآخرين.