نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠ - الشرح والتفسير لا أكف عن مقارعة الخائنين
لواء التمرد والفتنة في البصرة ووقعة الجمل والأشخاص الذين التحقوا بهم بعد ذلك، أو إشارة إلى قوى الضلالة في الشام الذين أحلّوا سفك الدماء في معركة صفين والذين استمروا في نفس المسار الشيطاني، أو إشارة إلى الطائفتين.
ثمّ يتحرك الإمام عليه السلام ليبيّن عزمه الراسخ وإرادته الجازمة لأخيه عقيل في قتال هؤلاء المتمردين ويؤكّد له أنّ كثرة المخالفين له والخارجين عليه لا تؤثر شيئاً في عزمه وإرادته ويقول:
«لَا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً، وَلَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً».
وهذا الشعار، الذي ينطلق من موقع العمق الفكري والشعور الوجداني والمقتبس من الآيات الشريفة: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ...» [١]، أو «فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي ...» [٢]، وأمثالها، تشير إلى أنّ أولياء اللَّه والعظماء من رجال الحقّ وبالاعتماد على الذات المقدّسة، لا يشعرون بشيء من الوحشة من كثرة مخالفيهم ولا يعيشون حالات الغرور من جموع الموافقين، فلو أنّ جميع المسلمين اتّخذوا كلام الإمام عليه السلام هذا شعاراً لهم في حياتهم وسلوكياتهم، فمن بالبديهي أنّهم لا يصابون بالاهتزاز والخور في مقابل الغزو السياسي والعسكري والثقافي للغرب وسيحققون النجاحات في جميع هذه الجبهات.
ثمّ يخاطب الإمام عليه السلام أخيه في كلام زاخر بالحيوية والعمق ويقول:
«وَلَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ- وَلَو أَسْلَمَهُ النَّاسُ- مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً، وَلَا مُقِرّاً لِلضَّيْم [٣] وَاهِناً، وَلَا سَلِسَ [٤]
الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ، وَلَا وَطِيءَ [٥] الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُتَعَقِّدِ».
في هذه العبارات الأربع يبيّن الإمام عليه السلام المراحل المختلفة للتسليم والإذعان في
[١]. سورة الزمر، الآية ٣٦.
[٢]. سورة المائدة، الآية ٤٤.
[٣]. «ضَّيْم» بمعنى الظلم والجور ويأتي مصدره على هذا الوزن أيضاً، ويعني ايقاع الظلم على الآخر وقهرهوالتغلب عليه.
[٤]. «سَلِسَ» المطيع والمنقاد، وأحياناً تأتي بمعنى السهل واليسير.
[٥]. «وَطِيءَ» صفة مشبهة بمعنى اللين والملائم.