نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩١
الشبهات، يعني الأمور التي لا يتسنى للإنسان الاحاطة بها بسهولة، ففي مثل هذه الموارد يجب أخذ جانب الاحتياط، والشخص الذي يتحرك في وادي الشبهات فسوق يقوده ذلك إلى دورب المحرمات والغرق في المتاهات، والشخص الذي يجتنب الشبهات فإنّه يترك المحرمات الواقعية بشكل أفضل ويجتنبها.
يقول رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«حَلَالٌ بَيِّنٌ وَحَرَامٌ بَيِّنٌ وَشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَمَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَايَعْلَمُ» [١].
وهذا الكلام لا يعني أنّ القاضي يمتنع من إصدار الحكم لأنّ وظيفته الشرعية فصل الخصومة وانهاء النزاع، بل المراد أن يتوقف ويحتاط ويدرس جميع جوانب المسألة ويزيل ظلمة الشبهات بنور العلم والمعرفة، وأحياناً يقوم بمصالحة طرفي النزاع فيما تدعوه مواقف الاحتياط.
٨. يقول عليه السلام:
«وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ».
إنّ أهم عمل القاضي التحقيق في أدلّة الطرفين، فيأخذ بالأدلة القوية والمقبولة، ويمتنع عن قبول الأدلّة الضعيفة والمهزوزة.
ويحتمل أيضاً أنّ مراده من هذه الجملة أنّ القاضي يجب أن يتحرك أكثر من أي شخص آخر في البحث عن الدليل، بمعنى أنّه أحياناً لا يوجد أي دليل حسب الظاهر في المسألة مورد الخصومة ليبيّن الحقّ في المسألة، ولكن القاضي يستطيع ومن خلال البحث والتدقيق في زوايا القضيّة، أن يعثر على أدلّة قوية لكشف الحقّ من الباطل، كما هو الحال في الكثير من قضاء أميرالمؤمنين عليه السلام، إذ أنّ الإمام عليه السلام ومن خلال استخدام أساليب نفسية يستطيع إمّا في أخذ الاعتراف والإقرار من المجرم، وإمّا أن يتوفر له العلم من مجمل القرائن والشواهد المتوفرة، مثلًا في قصّة اختلاف امرأتين على طفل واحد، وإصرار كلّ واحدة منهما على أنّ هذا الطفل هو ابنها،
[١]. الكافي، ج ١، ص ٦٨، ح ١.