نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨ - الشرح والتفسير لا تهلك نفسك ولا الناس
الإمام عليه السلام يقول في مستهل حديثه:
«وَأَرْدَيْتَ [١] جِيلًا [٢] مِنَ النَّاسِ كَثِيراً؛ خَدَعْتَهُمْ
بِغَيِّكَ، وَأَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ، تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ، وَتَتَلاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ».
وهذه إشارة إلى أنّ معاوية يتحمل مسؤوليّة انحراف جمهور غفير من المسلمين الذين خدعهم بمكره وغيّه وسوف يقف يوم القيامة ليجيب عن ذلك.
وعبارة
«مَوْجِ بَحْرِكَ»
تعبير لطيف عن الحوادث والأزمات التي تشبّه عادة بأمواج البحر، وهي الحوادث الصعبة التي يصعب مواجهتها والتصدي لها، لأنّ الأمواج العاتية كالجبال في البحر تقذف بالبشر من هنا إلى هناك كالريشة في مهبّ الريح، وأحياناً تقتلعهم في مطاويها ودواماتها ويعيش الإنسان في تلك اللحظات الحرجة الظلمة والشدّة بحيث تسودّ الدنيا في عينيه.
والتعبير ب
«الظُّلُمَاتُ» وَ «الشُّبُهَاتُ»
إشارة إلى أعمال معاوية من قبيل طرح مسألة قتل عثمان والدفاع عنه، ورفع قميصه الدامي وإثارة الناس ضد الإمام عليه السلام والخليفة بالحقّ لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله، وكذلك (والعياذ باللَّه) الأمر بلعن الإمام علي عليه السلام على المنابر وسبّه وشتمه في المحافل، فهل هناك ظلمة أشدّ من هذا، أو شبّهة أوحش من هذه؟
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى نتيجة هذه الأساليب الماكرة والشبهات المضللة ويقول:
«فَجَازُوا [٣] عَنْ وِجْهَتِهِمْ، وَنَكَصُوا [٤] عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَتَوَلّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَعَوَّلُوا [٥]
عَلَى أَحْسَابِهِمْ [٦]»
، أي أنّ هذه الأمور أدّت إلى عودة بعض الناس عن الحقّ إلى
[١]. «أرديت» من مادة «إرداء» بمعنى إهلاك.
[٢]. «جِيل» الجماعة والصنف والنسل.
[٣]. «جاوزوا» من مادة «جواز» وتعني العبور والعدول.
[٤]. «نَكَصُوا» من مادة «نكوص»، بمعنى العودة والرجوع.
[٥]. «عَوَّلُوا» من مادة «تعويل» وهي الاعتماد والاتكال.
[٦]. «أَحْسَاب» جمع «حَسَب» على وزن «نَسَب» تأتي أحياناً بمعنى الفضائل التي تنسب للآباء والأجداد ويفتخربها الإنسان، وأحياناً أخرى تعني الصفات البارزة والملكات المشهودة للإنسان نفسه كالشجاعة والسخاء والعلم والمعرفة.