نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٠ - الشرح والتفسير كيف أكون أميرالمؤمنين ولا اشاركهم في مكاره الدهر؟
يزيح من قلبه هذا الغم والغصة.
وينقل المرحوم المحقّق التستري قصّة في هذا المجال عن المرحوم السيّد نعمة اللَّه الجزائري، وربّما كان لهذه القصّة جانب التمثيل يقول: «أنّ رجلين تنازعا في دار فانطق اللَّه لبنة من جدار تلك الدار، فقالت: إنّي كنت ملكاً من ملوك الأرض ملكت الدنيا ألف سنة، فلمّا صرت تراباً أخذني خزّاف بعد ألف سنة فصيّرني خزفة فبقيت ألف سنة، ثمّ أخذني فصيّرني لبنة، وأنا في هذا الجدار منذ كذا وكذا، فَلِمَ تتنازعان في هذه الدار؟» [١].
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يبيّن درساً نافعاً لكلّ سالك إلى اللَّه تعالى ويتحرك في طريق الصلاح والنجاة يوم المعاد ويقول:
«وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ [٢]».
الرياضة في حقيقتها تطويع النفس وتدجينها وأحياناً تستخدم هذه الكلمة في مورد الحيوانات الجموحة، وأخرى في مورد النفس المعاندة وغير السلسلة القيادة، واليوم تستعمل هذه الكلمة بمعنى الرياضة البدنيّة، واللافت أنّ الإمام عليه السلام مع مقامه السامي والعظيم في أمر تصفية النفس وتنقية الروح والسلوك في مدارج الكمال المعنوي والسير إلى اللَّه تعالى والوصول إلى مقام لا يرى فيه سوى اللَّه تعالى ومع ذلك يقول:
«هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا ...»
، ويشير في ذلك إلى نقطتين: الاولى: أنّ الإنسان مهما سعى لرياضة نفسه والحركة في عمليّة بناء الذات، فإنّه لا ينبغي أن يطمئن إلى هذه الحيّة الرقطاء النائمة وعليه أن يعيش الحذر الدائم من خطرها ويقظتها.
والاخرى: أنّ الإمام عليه السلام عندما يتحدّث بمثل هذا الكلام مع كونه قد حاز تلك المقامات والمراتب الجليلة في الكمال المعنوي، فينبغي على الآخرين أن يحسبوا حسابهم ولا يغفلوا من أخطار النفس الشريرة والأمارة.
[١]. شرح نهج البلاغة، للعلّامة التستري، ج ٥، ص ٣٤٠.
[٢]. «المزلق» بمعنى زحلق من مادة «زلق» على وزن «شفق» بمعنى التزحلق.