نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١ - الشرح والتفسير لست كالبهيمة المربوطة!
ذلك سوى القرب من اللَّه تعالى وتحصل الكمال الإنساني والفضائل النفسانيّة، ومن المعلوم أنّ خلق هذا العالم وكل ما فيه من النعم والمواهب الإلهيّة لو لم تكن له غاية سوى ذلك فإنّ هذا الخلق سيكون عبثياً ومخالفاً للحكمة، ولكن اللَّه حكيم ولا تنسجم هذه الأغراض الباطلة والأمور التافهة مع حكمته سبحانه.
إنّ كلام الإمام عليه السلام هذا مقتبس في الحقيقة من آيات القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّنْ مَّنِيٍّ يُمْنَى* ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى» [١].
وبديهي أنّ اللَّه تعالى الذي خلق الخلق على مراحل عدّة وبكل هذه العجائب التي سخرها للإنسان في مظاهر الطبيعة كانت له غاية سامية وهدف كبير.
ويقولتعالى في موردآخر: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْناكُمْ عَبَثاًوَأَنَّكُمْ إِلَيْنالاتُرْجَعُونَ» [٢].
ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام النقطة الثالثة فيما يتصل بكلامه السابق وكأنّه في مقابل الجواب عن إشكال مقدّر، حيث يقول:
«وَكَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِيطَالِبٍ، فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ، وَمُنَازَلَةِ [٣] الشُّجْعَانِ».
هذا المعنى الحاكم على الذهنية العامّة والذي يقرر وجود رابطة بين القوّة الجسمانيّة والأغذية الدسمة واللذيذة، يبعث على تصور أنّ الإنسان إذا اكتفى في طعامه بخبز الشعير وأمثاله فإنّه سيكون ضعيفاً ولا يقوى على شيء ولا يستطيع الصمود طويلًا في ميادين القتال والحرب.
هنا يتحرك الإمام عليه السلام من موقع الجواب عن هذا الإشكال ويضرب لذلك مثالين جميلين ويقول:
«أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً، وَالرَّوَاتِعَ [٤] الْخَضِرَةَ أَرَقُ
[١]. سورة القيامة، الآيات ٣٦- ٣٩.
[٢]. سورة المؤمنون، الآية ١١٥.
[٣]. «منازلة» بمعنى المقاتلة والحرب، من مادة «نزول» فالشخص المقاتل ينزل إلى الميدان في مقابل خصمه ويقاتله.
[٤]. «الرواتع» جمع «راتع» وهنا جاءت معنى الشجرة المزدهرة، من مادة «رتع» على وزن «نفع» بمعنى الأكل منالمرتع.