نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧ - الشرح والتفسير لقد بعت دينك بدنيا غيرك!
ويتابع الإمام عليه السلام خطابه لعمرو بن العاص:
«فَاتّبَعْتَ أَثَرَهُ، وَطَلَبْتَ فَضْلَهُ؛ اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ [١] يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ [٢]، وَيَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ [٣] فَأَذْهَبْتَ
دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ!».
وعادة في مثل هذه الموارد يتمّ التشبيه بالثعلب الذي يتحرك تبعاً للأسد المفترس لينتفع من فضلات مائدته وبقايا فريسته، ولكن الإمام عليه السلام استخدم التشبيه بالكلاب بدل الثعلب، لإظهار شدّة دنائة ووقاحة عمرو بن العاص، ونعلم أنّ عمرو بن العاص هو الشخص الذي لم يكن قادراً على تولي الحكم والإمارة بنفسه، ولكن من خلال مكره ودهائه في تقديم الخدمة لمعاوية بحيث أنّه أعطاه أخيراً ولاية مصر، فكان أن خسر الدنيا، لأنّه لم يبق له سمعة فيها، وخسر الآخرة بما لا حاجة لبيانه.
وجاء في كتاب تاريخ اليعقوبي أنّ عمرو بن العاص عندما دنت منه الوفاة نظر إلى أمواله الكثيرة (وقد صعب عليه أن يفارقها جميعاً ويذهب خال اليدين) فقال لابنه: «ودّ أبوك أنّه كان مات في غزاة ذات السلاسل، إنّي قد دخلت في أمور ما أدري ما حجّتي عند اللَّه فيها»، ثمّ نظر إلى ماله فرأى كثرته وقال: «ياليته كان بعراً ياليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي عليَّ رشدي حتى حضرني أجلي، كأنّي بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي» [٤].
ويواصل الإمام عليه السلام توبيخه لعمرو ويقول:
«وَلَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ».
إشارة إلى أنّك كنت تملك الدنيا والآخرة لأنّك تملك الاستعداد الكافي للفوز بهما، ولكنّك للأسف قد سرت في طريق الباطل وتوغلت في الرذيلة في حين أنّ
[١]. «الضِّرْغَامِ»، يعني الأسد.
[٢]. «مَخَالِب» من مادة «مخلب» على وزن «منبر» أظافر الحيوان المفترس.
[٣]. «فَرِيسَة»، الصيد، من مادة «فرس» على وزن «فقط» بمعنى القتل.
[٤]. تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ٢٢٢، وللمزيد من الاطلاع انظر شرح الخطبة ٨٤ من هذا الكتاب، ج ٣.