نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - الشرح والتفسير كن مع جمهور الناس!
ومن هذا المنطلق أيضاً لو لم تتمّ الاستجابة لمطاليبهم فإنّهم قلّما يقبلون العذر في هذا المنع، ويرون أنّ جميع الأعذار في هذا المجال غير مقبولة وغير مبررة وأحياناً يكون العذر أقبح من الذنب.
وفي الصفة السابعة والأخيرة يقول الإمام عليه السلام:
«وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ [١]
الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ».
لأنّهم عاشوا حياة الرفاهية والنعمة وقلّما واجهوا المشكلات والتحديات، فلم يشتد لهم عود الصبر والاستقامة، على عكس الجماهير الكادحة في المجتمع الذين تربوا في أجواء المشكلات والأزمات وبنوا ذواتهم في بوتقة المحن والابتلاءات فصاروا كالفولاد في القوّة والمتانة.
والحقيقة أنّه لا يوجد وصف أفضل وأبلغ وأكثر شفافية لهؤلاء القلّة من الخواص المغرورين بامتيازاتهم والذين يعاملون الناس من موقع الاستعلاء والفوقيّة، ونعلم جيداً أنّ جميع هذه الخصائص والصفات ناشئة من تصوراتهم الموهومة عن امتيازاتهم الذاتية وحاجة الحكومة لهم وأفضليتهم على سائر طبقات المجتمع، وهذه الأوهام والخيالات الطوباوية، قادتهم إلى هذه المنزلقات والمتاهات.
أمّا خصائص الجماهير الكادحة في المجتمع الإسلامي، وحسب تعبير الإمام عليه السلام عامة الناس، فتتلخص في ثلاثة أمور: يقول عليه السلام:
«وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ، وَجِمَاعُ [٢]
الْمُسْلِمِينَ، وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ [٣] لَهُمْ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ».
ما أبلغ هذه العبارات وما أعمق مدلولها، فلولا دفاع العامّة من الناس فإنّ أصول الدين وفروعه ستطوى في عالم النسيان ويصيب الخلل والإرباك مفاصل المجتمع
[١]. «ملمات» من مادة «لمّ» على وزن «غم» تعني تجميع الشيء، ثمّ استخدمت للحوادث الشديد والمؤلمة، وكأنمثل هذه الحوادث تجمع فكر الإنسان وتلفت نظره إليها.
[٢]. «جماع» في الأصل مصدر وفي مثل هذه الموارد تأتي بمعنى الوصف يعني الجامع والمجمع.
[٣]. «صغو» تعني الميل إلى الشيء. «صغو» بفتح الصاد وكسرها تأتي بمعنى واحد كما ذهب إليه جماعة من المحققين.